علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

ميتافيزيقا العرفان السياسي (1)

تمهيد

غالباً ما يستثير الكلام على العرفان السياسي، أو التصوف في حقل السياسة، جدلاً غير اعتيادي حول مشروعية هذا المصطلح المركَّب، والمهمة التي يرادُ له أن يؤدِّيها في الاجتماع الحضاري الإسلامي. وما من ريب فإن قضية كهذه هي من القضايا الإشكالية التي نَدُر تناوُلُها بالبحث المستقل قديماً وحديثاً. سوى أن مقاربتها بالدرس والمعاينة والتحليل، وإن كانت تنطوي على وجوه شتى من الالتباس والغموض، فإن تظهيرها في ميدان البحوث العلمية يكتسب أهمية استثنائية. مردُّ هذا إلى ندرتها أولاً.. وتالياً إلى المسائل النظرية التي تؤلف إطاراً تنظيريًّا غير مألوف في الفكر العربي الإسلامي المعاصر. إلى ذلك، لم يشهد التراث الديني - الذي زخر على امتداد تاريخه بمباحث فلسفية وأصولية وكلامية حول نظريات الدولة والسلطة وأصول الحكم - إلا على مساعٍ محدودة، أو غير مكتملة في ميدان التنظير لفلسفة سياسية عرفانية.

 

لو عاينَّا منظومة محمود محمد طه الإحيائية، وتمظهرها في حياته الفكرية والاجتماعية والدينية لظهر لنا محل الإشكال. فقد أثارت تنظيراته المغايرة للشائع الثقافي في البيئيتين السودانية بخاصة والإسلامية على العموم، الكثير من الإشكال اللّبس والمجادلة. يظهر ذلك على سبيل المثال، في مساعيه الجادة إلى التوحيد المعرفي بين حقائق الغيب ومقتضيات الواقع. وهو ما يتبيَّن لنا في ما أفضى إليه فهمُه الإشكالي للدين، وجمعِهِ المعارف الصوفية والعرفانية إلى الشأن السياسي والإيديولوجي.

 

ومع أن المحقِّق في هذه المفارقة سيعثر على ما يناظرها في الفكر الإسلامي المعاصر، فإن تجربة الأستاذ طه انطوت على عناصر ذات خصوصية وفرادة. وعلى غالب التقدير فإن الرجل كان على بيِّنة من الأمر؛ لذا راح ينشئ رابطة وداد بين العرفان والسياسة من أجل أن يستويا نظراً وعملاً على خط أفقي واحد. وكان له لكي ينجز هذه الرابطة، أن يتواجه وقضية لا تزال موضع مكابدة وجدال في المباحث النظرية لعلم الوجود؛ عنيتُ بها تلك التي ترتَّبت على الانفصال المديد بين ضربين من المعرفة: معرفة الله ومعرفة العالم. وذاك ما سيظهر في أعماله حين تصدَّى للفجوة الأنطولوجية، التي دأبت الميتافيزيقا الكلاسيكية على إحداثها لمَّا أوكلت إلى العقل رعاية عالم الممكنات، ورأت إلى عالمَيْ الغيب والواقع باعتبارهما قضيتين منفصلتين. ثم انتهت إلى استحالة لقاء النقيضين. أي، الغيب بما هو أمرٌ لا عقلاني، والواقع بوصفه حقيقة عيانية يُستدلُّ عليها بالبرهان والتجربة.

 

الإشكال المفهومي ورحلة التأصيل

 

أفاد محمود محمد طه مما زخِرَت به المدوَّنة الصوفية من أفهام وتأويلات. كان على يقين من أن العرفان – كما أعرب عنه في مجالسه وكتاباته – هو العلم القادر على الوفاء بما توجبه أسئلة الوجود البدئية في مقابل قصور المنهج العقلي عن حل معضلاته والوقوف على حقائقه. كان يرى أن بإمكان العرفان الجمع بين العقل والروح، الأمر الذي يفضي إلى رؤية عميقة للوجود قابلة للتفعيل في حياة الناس اليومية[1].

 

لهذا لم يكن اعتناؤه بتأصيل السياسة إلا ليرفعها من حضيض الدنيوية الإنتفاعية إلى مقام أرفع وأسمى بوصفها تدبيراً إلهياً لشأن الخلق. فالسياسة عنده بهذه المكانة ذات أصل ميتافيزيقي وَحْيانيٍ له امتداداته الجوهرية في عالم الواقع. وبهذا يتفق طه مع ما أورده الحكماء المسلمون من أن السياسة تعني فضاء النظر الذي يكون موضوعه الدرس والتحقيق والتفكّر بالحكومة وأنواعها وظواهرها، وكذلك بنظام المؤسسات والغايات السياسية. وهي إلى ذلك، تعادل “الحكمة العملية التي يُطلق عليها في الفلسفة الإسلامية “تدبير المدن والعلم المدني” كما يبين الفارابي في “آراء أهل المدينة الفاضلة”، أو “الحكمة المدنية التي مهمتها النظر في القوانين العامة على مقتضى المصلحة العامة، وغايتها الوصول إلى الكمال الحقيقي” كما يقرر الحكيم الإلهي نصير الدين الطوسي[2].

 

ولما كانت السياسة من خواص الكائن الإنساني ولا يشاركه فيها غيره من أنواع الموجودات، فهي – على ما تبيِّن تنظيرات محمود محمد طه – القيمة الموصلة إلى الفضيلة، وتحقيق الكرامة الكونية الشاملة. والسياسة – كما عناها في الكثير من مصنفاته- ليست مطلق السياسة التي هي في جانب منها نابعة من القوة الشهوية والغضبية، وإنما تلك التي غايتها الكمال والخيرية التامة. وحين اتفق الحكماء على مدنية الإنسان بالفطرة والطبع، كانوا على يقين من أن الكائن الآدمي هو أشرف المخلوقات من حيث الاستعداد والأهلية لنيل السعادة. ذلك بأنه كائن يختزن في ذاته بعدين أساسيين يؤلفان ماهيته الوجودية: بعدٌ مادي وبعدٌ روحاني. من جهة: لا تتاح له حياتُه المادية على النحو الأمثل إلا بمؤاخاة أبناء نوعه، ومن جهة ثانية: لا يفلح بتمام إنسانيته ما لم يعتنِ بروحانيته التي توفرها له الفطرة الإلهية المودعة فيه. لذا كان بديهياً أن ينشأ المجتمع المدني من تلبية الحاجات المادية للإنسان مقرونة بالضرورة في تلبية حاجاته الروحانية. وهذا أصل متين من الأصول المكوِّنة لإحيائية محمود محمد طه ومشروعه الفكري. فمن شروط قيام الإجتماع المدني أن تكون لأهله القدرة على تقبل القواعد السياسية، وأن يتعرفوا إلى مدبِّريهم الإلهيين ويقبلوا بهم.

 

ولأن ماهية السياسة، هي القيام على الشيء بما يصلُحُه – كما يقول الحكماء – فإنها بهذا التعريف عين ما قصدت إليه المعرفة الإحيائية التي سعى الأستاذ طه إلى تظهيرها. أي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل. فالسياسة الفاضلة تسري على الحضارات والمجتمعات، مثلما تسري على القيم الناظمة للعلاقات بين الأفراد. من أجل هذا سنرى كيف جمع العرفاء بين الخلاص الفردي والوفاء بخلاص الجماعة البشرية. فالعارف إنما يتدبَّر هذين النوعين من الخلاص على نحو الوحدة الأصيلة، ولكن بلحاظ التعاطي مع كل منهما على قاعدة الخصوص والعموم. ففي سيره وسلوكه ومعارفه يكون العارف متيقِّناً من أن تحصيل شهادة القرب إلى الله أمر لا يتحقَّق له إلا بحفظ حق الخلق أفراداً وجماعات وحضارات، ومن ثم الوصل معهم وتدبير أمرهم وإرشادهم نحو سعادتهم في الدنيا والآخرة.

 

وجرياً على ما قرَّره الكلام الإلهي لجهة الصلة الأصيلة بين الخالق والمخلوق يؤسس محمود محمد طه للارتقاء المعرفي العرفاني بالفردانية المتصلة بالتوحيد والمسدَّدة به. وهذا على الأكيد خلافُ الفردانية التي قامت عليها الحضارات العلمانية المقطوعة الصلة بالغيب. فالفرد هو الأصل الذي به يتحقق الوصل الآدمي بالرب. وبه يحرز معراجه في الألوهية على نحو إفرادي، وان كان على صلة وطيدة بالجماعة. وبالتالي فهو عين السير والسلوك الذي يوصل العارف الفرد إلى مقام القرب. لعل قولُه واضح في هذا الشأن، من “أن المعرفة الحقّة لن تتحقق من قبل أن تبلغ مشارف الفردية بتفريد التوحيد.. صحيح أنك لا تبدأ بشريعة فردية، وإنما بشريعة جماعية، وهي التي بين أيدينا الآن.. إلا أنك إذا جوَّدت العمل بها، على هدى محمد، بدون زيادة، أو نقصان، فإنك خليق، أن تعرف ذلك في حينه.. ولن تكون معرفتك، يومئذ، موضع شك.. وقوله: “نحن في الحق فرادى، وسنعود لله فرادى” (3)..

 

وحتى يمنح مقصده المشروعية التِأصيلية يبيِّن: “إن الأمر ليس مسألة شخصية، بمعنى أنه لا يتعدى الشخص الذي يقوم به، وإنما هو أمر متعدٍّ.. فكما أن الناس، في الشريعة الجماعية، يقتدي بعضهم ببعض، ويتأسى بعضهم ببعض، فكذلك، في الشريعة الفردية، يقع الاقتداء، ويقع التأسي.. وأما التقليد فإن قدوته محمد.. ثم يخاطب محدِّثَه فيقول: وأنت تسأل عن الصلة التي تربطني بالمدعوين، فاعلم، إذن، أنها صلة الداعية إلى تقليد محمد، على أن يكون التقليد وسيلة إلى الاستقلال عن التقليد أي إلى الأصالة. وحين أدعو إلى الأصالة، عن طريق التقليد، إنما أدعو إلى تجربة خضتها، وعرفتها، وأستطيع أن أستخرج سندها، وأدلتها، من أصل الدين.. كما فعلت مثلاً، في رسالة الصلاة (4).

 

يومئ هذا القول في صريح عباراته عما يدل على اختبار ذاتي لدى الأستاذ طه وأفضى به إلى هذه المرتبة من المعرفة العرفانية. ربما لهذا السبب استثارت اجتهاداته حنق فقهاء زمانه ليرمونه بالتجديف والشطح. كذلك لم تكن أعماله في حقل التصوف والعرفان النظري بمنأى عن سيلِ الأسئلة الإشكالية التي رافقت مجمل أركان مشروعه الإحيائي. على أن السؤال الأشهر الذي غالباً ما يناظر مجمل تجارب التصوف السياسي على امتداد الأحقاب التي مرَّ بها التاريخ الإسلامي هو ما يتصل بالجمع بين الاختبار الصوفي والاجتماع السياسي.

 

خلاصة السؤال المركب الذي يواجهنا في هذا المضمار هو التالي: كيف لمسار روحي ومعنوي قوامُه المجاهدة في عالم لطيف، ومكتظ بالأسرار، ومضنون به على غير أهله، أن يلتقي في حقل واحد مع العمل السياسي بما ينطوي عليه من غَرَضيات وشوائب وعيوب لا حصر لها؟.. ثم كيف لفقيه عارف، يركن إلى روحانيته ويُعرِضُ عن دنياه، أن يهبط إلى عالم السياسة، ويخوض لجتَّها المكتظة بالأهواء والأنانيات والمنافع الدنيوية؟.

 

لعل أهم ما قصده الأستاذ طه في بناء مشروعه الإحيائي، هو الأخذ بالعرفان النظري والسلوكي سبيلاً لتطوير منهجه الفكري (5). فقد نظر إلى العرفان كمنطقة معرفية يتعرَّف من خلالها على جوهر الإسلام. وتبعاً لهذا المقصد سنرى كيف أن السياقيات المعرفية لمشروعه تفتح الأفق نحو جلاء الإشكال الذي يورده السؤال الذي تقدَّمت الإشارة إليه. والناظر في كتاباته ومحاضراته على تعدد حقول موضوعاتها، سينكشف له ما يفضي إلى انتزاع التصوف من كهف عزلته، وإقامته على نصاب تستعاد فيه الدعوة المحمَّدية الأولى من أجل أن تستنقذ الإسلام من طغيان الجاهلية المستأنفة. ولكي نمضي في التأصيل، نَجِدنا تلقاء مفارقةٍ بيِّنة يستظهرُها الجمعُ بين العرفان والسياسة كضدَّين مدعوَّيْن إلى الحَرثِ في حقلٍ واحد. أما منشأُ المفارقةِ، فيعود إلى مسألتين:

 

الأولى، إمكان رفع وهم التباين بين العرفان كاختبار روحي فردي، والسياسة كفعالية سوسيو- تاريخية تُخاضُ في أرجاء الجماعة الحضارية..

 

الثانية، إمكان قيام وحدة أفق تتكامل فيها عناصر التمايز والاختلاف بين الضدَّين المفترضَين؛ سواء لجهة المنهج والمسلك، أم لجهة التنظير لنظرية معرفة في الميتافيزيقا العرفانية.

 

ومع أن هاتين المسألتين قد تلتقيان على أرض واحدة، إلا أن التمييز بينهما يبقى من الضرورات المنهجية. فبينما تكتفي السياسة – للاستهداء إلى غاياتها - بموازين العقل الاستدلالي لفهم حركة التاريخ وتحولاته.. يستهدي العرفان إلى الوجود الحق بطريقين متلازمين: أولاً، بالعقل الآخِذِ بالأسباب.. وثانياً، بالكشف الباطني المسدَّد بالعلم اللدنِّي والشهود القلبي. غير أن هذه المباينة بين الاستهداءَين لا تلبث أن تصيرَ على نشأة الوحدة والانسجام والتكامل، متى أدركنا المنطق الداخلي الذي تنشط فيه معرفة العارفِ، من أجل أن يتحقَّق له الجمعُ بين مقتضيات العقل الاستدلالي وسبيل الوصول إلى مقامات الكشف.

 

لقد حاول العرفاء المسلمون، وخلال أحقاب تاريخية مختلفة، تقديم الإجابات على واحدية الغاية بين العرفان والتدبير السياسي لواقع الأمة. من هؤلاء من انصرف إلى التأصيل الفقهي للتصوف فأقاموه على أصوله الشرعية الثلاثة: القرآن والسنّة والاقتداء بسيرة النبي وآل بيته. ومنهم من مضى إلى تقديم الجواب عبر الدعوة إلى العمل المحض، بداعي أن العلم المعتبر هو العلم الباعث على العمل. وآخرون وجدوا بالجهاد والمرابطة السبيل الأقوم إلى تحقق الولاية الإلهية المأمولة. ومن البيِّن أن طه وقف على الاتجاهات جميعاً، ثم استظهر مما تختزنه أرض السودان من الميراث الصوفي الأصيل، سواء على المستوى العقدي والديني أو في الحقل الإجتماعي والسياسي. فالبيئة التاريخية السودانية خصوصاً، والأفريقية بوجه عام، تشهد على فاعلية الحركات الصوفية وأثرها في تشكيل السمات الثقافية المفارقة للمجتمع السوداني، حتى باتت تشكل مكوِّناً عضوياً من مكوناته السوسيولوجية والحضارية.

 

ومما يتبيّن لنا، عند مقاربة ظاهرة التصوف والعرفان في التاريخ الإسلامي، هو مدى التنوع في مكوناتها ومصادرها بحكم التناظر والتبادل المعرفي مع الحضارات والأديان المختلفة. إلا أن هذه الظاهرة – على تعدد مدارسها واختلاف طُرُقها وتياراتها – كانت حريصة على مرجعيتها الدينية في علوم التوحيد، وبيانات الوحي، وحقائق الشريعة. مع ذلك لم يكن الاختلاف في ما بينها ليقتصر على الاجتهاد في الطريقة، وإنما يضم طائفة من العوامل الحاسمة بعضها متصل بمؤثرات إيديولوجية رافقت تحولات السلطة الإسلامية وما ترتب عليها من توظيف إيديولوجي، وبعضها الآخر ذو صلة بالعلاقة بين التصوف وميراث مدرسة أهل البيت والآثار العقدية والفقهية والسوسيولوجية المترتبة على تلك العلاقة. هذا إلى عوامل إضافية شكلت في جملتها منطقة إشكالية سيكون لها الأثر البيِّن في إضفاء المزيد من الغموض واللَّبس، لجهة تعثُّر موضَعَة التصوُّف في إطار فقه سياسي واضح المعالم (6).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – انظر: محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام- دار رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة- 2012- ص 60.

2 – نصير الدين الطوسي- شرح الإشارات والتنبيهات- تحقيق: سليمان دنيا – مؤسسة النعمان للطباعة والنشر- بيروت 1992- ص 316.

3 – محمود محمد طه- أسئلة وأجوبة- الكتاب الثاني- مصدر سبق ذكره – ص 13.

4 – المصدر نفسه- الصفحة نفسها.

5 – انظر: محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام- دار رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة- ط1- 2012- ص 61.

6 – راجع: محمود حيدر- العرفان في مقام التدبير السياسي- المباني الميتافيزيقية والمرتكزات المعرفية للحضارة الإلهية- كتاب تحت الطبع – دار الفارابي- ص 25.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد