علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (2)

هيغل كمؤسس لفلسفة الإنكار

 

لم تفلح الحداثة في تجاوز الأفق الجيو- ديني لأوروبا وهي تصوغ فلسفتها السياسية. وحين أُبعدت الكنيسة عن عرشها السياسي ظلّت المسيحيّة حاضرةً ولكن بروحها الأيديولوجي في مجمل المنجزات المعرفيّة والفلسفيّة، سواءً ما تعلّق منها بمعرفة ذاتها الحضارية، أو لجهة التعرُّف على صورة الآخر وما تعلق بهذه الصورة من أحكامٍ. تلقاء هذا الحضور، سيظهر الإسلام في الفلسفة السياسيّة التي أسهم هيغل في رسم معالمها كآخرَ مستنكرٍ. ومع الهيغلية بصفةٍ خاصةٍ تموضعت رؤية الغرب الفلسفي إلى الإسلام بوصفه شرقاً. ثم شيّدت على هذا التموضع تناظراً بين غربٍ ممتلئٍ بلاهوته ومزهوٍّ بحداثته، وشرقٍ هو بالنسبة إليها مجرد مكان فسيح لامتحان رغباتها.

 

في محاضراته التي ألقاها عام 1831 تعدّدت إشارات هيغل إلى الإسلام، لكنّه كان لا يزال بالنسبة إليه على هامش تاريخ الأديان[1]. في تلك المحاضرات لم تكن رؤيته للإسلام حاصل دأبٍ ذاتيٍّ في التعرف على واحد من أبرز أديان الشرق. بل هو نتيجة تحقيقات استشراقيّةٍ ولاهوتيّةٍ في الغالب الأعم. فقد استعان هيغل ببعض هذه التحقيقات ليعزّز متونه بهوامش عن الشرق والإسلام في سياق محاضراته في فلسفة التاريخ. وما يجدر ذكره في هذا الصدد أن ما سمي بـ «علم اللاهوت المتحرّر» للقرن التاسع عشر، الناشئ عن التلاقي بين ليبراليّة المجتمع المدني الأوروبي وبين علم اللاهوت الإنجيلي، قد وَجَدَ بشائره التاريخيّة تحديداً في علم اللاهوت عند شلاير ماخر وفي فلسفة الدين لدى هيغل.

 

لقد تناول هيغل تطور التاريخ البشري من زاويةٍ غايةٍ في العلمانية. حدث هذا في الوقت الذي كان فيه اهتمام الناس متوجهاً أكثر فأكثر نحو هذا العالم، وليس نحو ذلك العالم. وعن طريق جعله الجلال الإلهي دنيويًّا بشكلٍ عميقٍ، وبشريّاً بدرجةٍ كبيرةٍ، أكد في «محاضراته في فلسفة التاريخ» أنّ الروح المتميّزة تنسق بين المجتمع البشري وثقافته. وبالنسبة لهيغل يتعلق الأمر فقط بتظاهراتٍ ومراحلَ للروح العالميّة، وهي منظمةٌ وفقاً للمعيار الزمني أو الدنيوي. من أجل ذلك يقول في كتابه «فينومنولوجيا الروح» (في عام 1807) أنّ الروح العالميّة لا يمكن أن تحقق إمكانياتها الكاملة إلا إذا غاصت بنفسها في الشروط المحدّدة للمكان والزمان، وهي بهذا الشكل تتحقق على أكمل وجه في العقل البشري[2] وطبقاً لرؤية هيغل فكلّ ما يجري في العالم يمكن بحثه على مستوى التطور التاريخي الذي يحمل معناه الخاص به ويحمل نهايته داخل ذاته.

 

والتاريخ هو نوع من المشهد المسرحي بمعنى تنفيذ أو تحقيق ذلك الموجود في حالة كُمون، ونهاية هذه العملية هي الحرية التي يتم تعريفها بأنها التحقيق الكامل لجوهر وجود الإنسان في الفنّ والفكر وفي الحياة السياسية. والسبل التي بها أو من خلالها تحقق الروح ذاتها هي أهواء واهتمامات بعض أفراد البشر. ومن هنا فإنّ التاريخ البشري يتألف من مراحلَ متباينةٍ، وفي كلّ مرحلةٍ من هذه المراحل تبدي الروح العلميّة ذاتها في إحساسٍ أو إرادةٍ قوميّةٍ خاصة. وهذه الروح مسيطرةٌ في زمانها وعصرها، ولكن لها قيودها التي تتناقض مع تلك القيود التي تقيمها الروح الجديدة لدى شعب آخر، وإذا حدث شيء كهذا فقد انتهى دور الإحساس القومي الذي كان قد برز في المرحلة السابقة[3].

 

ولكن أين المسلمون أو العرب في هذه العملية التاريخية؟

 

في منظور «فلسفة التاريخ الهيغلية – ينتمي العرب والمسلمون إلى الماضي في إطار تطور الروح البشرية. فلقد حققوا مهمتهم بالحفاظ على الفكر الفلسفي الإغريقي ونقله، أي بتسليم شعلة التطور الحضاري إلى الآخرين[4].

 

قد يعود السبب في عدم دقة التصور الهيغلي حيال الإسلام ـ حسب عدد من الباحثين ـ إلى خلطٍ جهولٍ وقع فيه هيغل فلم يميز بين الإسلام والأتراك العثمانيين، أو على نحوٍ أدق بين الإسلام بوصفه ديناً وحيانياً ورؤيةً شاملةً للوجود والحياة الإنسانية وبين بعض الممارسات التاريخيّة لقسمٍ من أتباعه. ولقد كان على هيغل بوصفه فيلسوفاً كبيراً أن يعمل على تحرير التصور الغربي للإسلام، حتى يبرأ الأصل من شبهات الصور المزيفة له[5].

 

ومع أنه لم يفعل ذلك فقد اضطر هيغل في بعض أعماله الفلسفية إلى النظر إلى الإسلام كدينٍ أسوةً بنظره إلى اليهودية والمسيحية.

 

وعلى الرغم من أنّه لم يخصّص الإسلام بدرسٍ فائضٍ في محاضرته حول فلسفة الدين، إلا أنّ حديثه عن الشرق كان بمثابة أطروحةٍ شكَّل الإسلام أحد أبرز محاور هندستها الفلسفية. فالإسلام في نظره هو اتخاذ المبدأ الشرقي في أسمى صورة، ولكن معناه الحقيقي لا يتضح إلا متى وضع في فلسفة التاريخ الشامل، وبالتحديد في نطاق العلاقة بين الشرق والغرب الذي يشكل الإسلام أحد طرفيها، وذلك باعتبار التاريخ مادةً حيةً قائمةً بذاتها ومؤكدةً لوجودها من خلال تطورها الفعلي، ولكنها لا تزال بصدد اكتمال حلقتها الجلية، بانتظار الشكل المنظم حيث تتحقق وحدة الفكر والمادة، ووحدة العقل والواقع. وهكذا جاءت تأملات هيغل عن الإسلام والشرق مشبعةً بأفكارٍ لا يستهان بها من الفكر التاريخي الغربي وتؤثر على العلاقات التي تنحكم إليها هاتان الثقافتان[6].

 

رؤية هيغل الجيو ـ تاريخية للإسلام

 

تنطلق الرؤية الهيغلية للإسلام من منظور جيو – تاريخي للشرق، لتنتهي مقاربةً الإسلام كدينٍ في سياق معياريّةٍ مسبقةٍ تقوم على مركزيّة العرق الجرماني من جهةٍ ومركزيّة المسيحيّة بصيغتها البروتستانتيّة من جهةٍ ثانيةٍ. لكن علينا قبل أن نعرض إلى الحكم الإقصائي الذي أصدره حيال الإسلام، تفترض أمانة النقل والتحليل، بيان المنهج الذي تأسست عليه رؤية هيغل للإسلام. في هذا الصدد سوف يكون علينا أن نلحظ المعياريّة المركبة لتلك الرؤية، ونعني بها معياريّة الفيلسوف ومعياريّة المسيحي البروتستاني. في المقتبسات التالية من نصوصه النادرة حول الإسلام والشرق قد نتبين بعض النوافذ الآيلة إلى التعرف على رؤيته ومواقفه في هذا الاتجاه:

 

أولاً: إنّ هيغل لم ينء عن الاستقراء الموضوعي للإسلام لما نبّه إلى التعامل معه لا كمجرَّد ظاهرةٍ متواضعةٍ وإنّما كـ «دينٍ روحيٍّ مثله مثل الديانة اليهودية»، إلا أنّه لا يلبث أن يضعه في نفس تلك الديانة المسيحيّة.

 

ثانياً: في بعض أعماله النادرة وخصوصاً في المحاضرات التي ألقاها حول فلسفة التاريخ يحاول هيغل الفصل بين الإسلام كديانةٍ ومنظومة قيم وبين المسار التاريخي للامبراطوريات التي أنشأها. إلا أنه لم يتوصل إلى المحل الذي يميز فيه بعمقٍ بين ما يسميه الإسلام الأصلي الحضاري الذي انسحب أو اختفى من على ساحة التاريخ العالمي ودخل في هدوء الشرق ولامبالاته، وبين الامبراطورية العثمانيّة والحالة التي آلت إليها.

 

ثالثاً: يكاد لا يخفي إعجابه وتقديره لجوانب يراها نموذجيّةً في الإسلام مثل: "إنّ العرب في فترةٍ قليلةٍ من الزمن وجدوا أنفسهم متقدّمين على الغرب بكثير"[7].

 

عندما يقارن بين المسيرة الطويلة للغرب، في تطور التاريخ العالمي من أجل تحضير الروح الملموس وبين التطور السريع الذي عرفه الشرق في الوصول إلى الروح المجرد[8]، ترك للإسلام أن يقوم بدور «ثورة الشرق». وسنرى في محاضراته المشار إليها كيف يدرس هيغل الإسلام، لا باعتباره جزءاً من العالم الشرقي، الذي اكتملت ثلاثيّته بالصين والهند وبلاد الفرس، والذي سبق تاريخياً العالم اليوناني – الروماني، بل باعتباره جزءاً من العالم الجرماني. وعلى حدّ تعبير ميشال هولين(Michel Hulin)[9]، إنّ دخول الإسلام في العالم الجرماني عند هيغل هو بمثابة المقابل لدخول المسيحيّة – الشرقيّة أيضاً في الأصل – إلى العالم الجرماني بمؤسساته وأخلاقه.

 

تلقاء هذه الإيماءات العابرة من الإقرار الهيغلي بحاضريّة الإسلام في التاريخ الكلي للشعوب، سنجد ما يعاكسه في النتائج التي آلت مقارباته إليها. فحين يعتبر هيغل أنّ ظهور الإسلام في التاريخ الكلي هو النقيض لتطور العالم المسيحي، فإنّما لتأثره بما ذهب إليه فيلسوف عصره آنذاك شليغل. فالذي أراده الأخير، ليس فهمه لهذا الدين «العدو» (Ennemie) بل البحث بعناية عن أيّ هوّةٍ مظلمةٍ خرج هذا الدين، والأضرار المفرطة التي أوقعت العالم المتحضِّر فيها[10].

 

إذاً، ثمة مزيجٌ فلسفيٌّ – لاهوتيٌّ، يغطي لهيغل مصادره المعرفيّة، ومن خلالها سيبني أحكامه على الإسلام والشرق. من هذه المصادر، يضيف الباحثون إلى شليغل كلاًّ من فلسفة مونتسكيو (Montesquieu) التي انطلقت من تعالي المسيحية على الديانات الكبرى في العالم، وفلسفة فولتير (Voltaire) التي مضت بعيداً في صيغتها التكفيرية للإسلام. ففي معجمه الفلسفي يضع فولتير مقالةً حول الإسلام تحت عنوان «الضروري» (Nécessaire). وفيها ما يفصح عن رفضٍ يكاد يصل درجة الإنكار الكامل لدين الشرق كما يقول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - محمد عثمان الخشت – نقد صورة الإسلام عند هيغل – فصلية «الاستغراب» العدد العاشر – شتاء 2018.

[2] - عدنان سيلاجيتش، مفهوم أوروبا المسيحية للإسلام – تاريخ الأديان – نقله عن اللغة البوسنية جمال الدين سيد أحمد- المركز القومي للترجمة – القاهرة ـ الطبعة الأولى ـ  2016 - ص 155.

[3] - راجع: هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ كما ينقلها  سيلاجيتش ـ المصدر نفسه، ص156.

[4] - المصدر نفسه، ص158.

[5] - المصدر نفسه.

[6]- د. محمدي رياحي رشيدة ـ هيغل والشرق ـ دار ابن النديم ودار الروافد الثقافية ـ الجزائر ـ بيروت ـ 2012 ـ ص 13.

[7] - Hegel, Leçons sur L’histoire de la philosophie, tome 5, p 1018.

[8] - Hegel, Leçons sur la philosophie de L’histoire, p. 274.

[9] - Hulin M, Hegel et l’Orient , éd, Vrin, Paris, 1979, p. 135.

[10] - Hegel, Leçons sur l’Histoire de la philosophie, trad. Garniron, Paris, Vrin, 1978, tome 5, p 1018.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد