قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ مرتضى الباشا
عن الكاتب :
الشيخ مرتضى الباشا، من مواليد سيهات في 1395 هـ، التحق بالحوزة العلميّة ودرس على مجموعة من علمائها، له كثير من النّشاطات والمشاركات عبر مواقع الإنترنت، وله العديد من المؤلفات منها: الحبوة في مناسك الحج، أسرار الحج في كلمات العلماء، ذبائح أهل الكتاب (دراسة مقارنة)، فيه آيات بينات، ومذاكرات في التقريب والوحدة (المنهج التقريبي السليم).

معرفة الإنسان في القرآن (3)

اهتمّ القرآن الكريم بمسألة تقلّب حال الإنسان حين الرخاء وحين الشدة، فالإنسان في حال الشدة يتذكر الله تعالى ويلجأ إليه، إلا أنه في حال الرخاء سرعان ما ينسى الله تعالى. من الواضح شناعة هذا التصرّف حتى في المنظور الإنساني البشري. فالبشر ينفرون ممن يتقرّب إليهم لمصلحة مؤقتة، ولكنه سرعان ما ينساهم بعد أن تقضى حاجته. ولو عاد إليهم ذلك الشخص مرة أخرى في شدة لاحقة، فربما يطردونه، ولا يرحبّون به بينهم.

 

الآيات الكريمة التي تحدثت عن تقلب أحوال البشر (حال الرخاء وحال الشدة) على ثلاثة أقسام:

 

القسم الأول: ذكرت ذلك على نحو القضية العامة بدون أن تتعرض لمثال محدد:

 

1-(وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الزمر:8.

 

2-(وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يونس: 12.

 

3- (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) الزمر: 49.

 

4- (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) فصلّت: 51.

 

5-(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) يونس:21.

 

6- (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) النحل.

 

هذا مضافًا إلى آيات أخرى تتحدث عن جنبة قريبة من هذه الجنبة، وسنذكر تلك الآيات لاحقًا بحول الله وقوته.

 

القسم الثاني: الآيات التي تتعرض لإنقاذ الإنسان من شدائد البحر:

 

1-(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يونس.

 

2- (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) العنكبوت.

 

3-(وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) لقمان: 32.

 

4-(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا) الإسراء: 67.

 

القسم الثالث: الآية التي تتناول ظلمات البر والبحر:

 

(قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ) الأنعام.

 

قال الله تعالى (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الزمر:8.

 

بعض اللطائف التي اشتملت عليها الآية الكريمة:

 

اللطيفة الأولى: الإنسان لا يتحمّل أدنى مستوى من الضر، فهو كائن ضعيف، قليل الصبر والتحمّل. فلاحظ تنوين (ضرٌ) ولاحظ كلمة (مسّ) فأدنى ملامسة بين الإنسان وبين أي مرتبة من مراتب الضر، مباشرة يصاب بالجزع والهلع.

 

وفي مقابل ذلك: بمجرد أن يحصل الإنسان على شيء من الرحمة أو الخير، يتغير حاله، فلاحظ التعبير القرآني في العديد من الآيات (أذقنا) فمجرد تذوق الرحمة يقلب حال الإنسان، ومن ذلك قوله تعالى (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) يونس: 21.

 

اللطيفة الثانية: في تلك الحالة يدعو الإنسان (ربّه) أي أنه يعترف بربوبية الله سبحانه، وأنه الذي يربّي ويرعى هذا الكون.

 

اللطيفة الثالثة: (منيبًا إليه) فهو يرجع إلى الله تعالى، ويزعم أنه تائب، عازم على الاستقامة على العهود والمواثيق، ويتعهد بالكثير من الأمور.

 

اللطيفة الرابعة: تخويل النعمة، تعني أن هذه النعمة هبة من الله تعالى، فالإنسان لم ولن يستطيع سداد قيمة وثمن تلك النعمة. فلا تلك التوبة، ولا تلك الإنابة، ولا ذلك الدعاء أو تلك الأعمال تصلح أن تكون ثمنًا حقيقيًّا مساويًا لتلك النعمة.

 

اللطيفة الخامسة: هذا حال الإنسان إذا خوّله الله تعالى نعمة واحدة إضافية، فكيف لو خوّله العديد أو الكثير من النعم الجديدة التي يريدها الإنسان.

 

اللطيفة السادسة: بعد أن يفرّج الله تعالى تلك الكربة، يصاب كثير من الناس بنسيان الماضي. مثلاً: الفقير الذي يدعو الله تعالى، فيرزقه الله تعالى ثروة، ترى بعضهم يتعامل ويتصرف وكأنه لم يكن في يوم من الأيام فقيرًا، ولعله يستهزأ ويسخر بالفقراء ويستحقرهم.

 

وكذلك: من يتعرض لأزمة صحية، ثم يشفيه الله تعالى، نجد طائفة من هؤلاء ينسى أنه أصيب بتلك الأزمة، ويتصرّف وكأنه بمأمن من الإصابة مرة أخرى بالمرض.

 

اللطيفة السابعة: لا يكتفي هؤلاء بنسيان الله تعالى ونسيان ماضيهم، بل يصل بهم الحال إلى التآمر على الله تعالى، بحيث يجعلون لله أندادًا، ويسعون لإضلال الناس وإبعادهم عن الله عزّ وجلّ.

 

وهذا هو حال كل إنسان يتذكر الله تعالى في شدّته، ولكنه ينسى الله في الرخاء، بل وينسى أنه مرّ بشدّة، ويقوم بالفساد والإفساد في المجتمع، فيصنع من (الجنس أو المال أو الجاه) أندادًا يعبدهم من دون الله، ويحاول جرّ الناس ليكونوا على شاكلته.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد