قصبات

مكتبة أبي سيبويه ومتحفه في القديح: مساحة مفتوحة على المعرفة والتّراث

حوّل الخطيب الشّيخ محمّد علي آل ناصر المعروف بأبي سيبويه، منزله ومجلسه في القديح إلى مكتبة ومتحف، فيهما ما فيهما من كتب ومصاحف ومخطوطات، وساعات وقطع أثريّة وطوابع ومتحجّرات، في مشهد تراثيّ معرفيّ بديع، يجمع بين مقتنيات المعرفة، وشواهد الحياة التّاريخيّة.

 

أكثر من عشرة آلاف مجلّد، جمعها أبو سيبويه على امتداد عقود طويلة من الزّمن، بدأها وهو في الخامسة عشرة من عمره تقريبًا قبل أن يسير في ركب الخطابة بعامين، وكان ارتباطه بالكتب أوّلاً نتيجة لدراسته الخطابة، لاعتقاده بأنّ الخطيب يحتاج إلى ثقافة واسعة تمكّنه من مخاطبة النّاس.

 

وأمّن والده الخطيب أيضًا، ما يحتاج إليه أبو سيبويه أوّلاً من مصادر ومراجع، قبل أن يتولّى عمليّة شراء الكتب بنفسه، لتنشأ بينه وبينها علاقة متنية، نجم عنها اقتناء كثير من الأصول المعرفيّة، وعدد من المخطوطات الفريدة، وأكثر من ثلاثين مصحفًا مميّزًا، وسوى ذلك. ومن أقدم ما اقتناه مجموعة من مصنّفات الخواجة نصير الدّين الطّوسي، من مطبوعات حيدر آباد الصّادرة عامي 1358 و1359هـ.

 

اقتنى أبو سيبويه كثيرًا من كنوزه عن طريق المقايضة، إذ اعتاد أن يبادل كتابًا بتحفة أو تحفة بكتاب، ولم يعتد بيع شيء من مكتبته أو تراثه، وقد اقتصر اقتناؤه للكتب على ما كان يجده داخل المملكة، وعلى ما وجده خلال زياراته إلى الحرمين الشّريفين، وفي زمن ندرة الكتب والمخطوطات، حصل على بعض المصاحف التي كانت تأتي من تركيا بأثمان مرتفعة، في وقت كانت المبايعة بالتّقسيط متاحة، وقد قدّرت قيمة بعض مصاحفه آنذاك بما بين ثلاثين ألف ريال وأربعين ألف ريال.

 

وكثيرة هي المصاحف الّتي اقتناها أبو سيبويه، بينها مصحف مذهّب كُتب في قصر السّلطان العثمانيّ سنة 1090هـ، ومصحف آخر يحمل إشارة إلى أمر السّلطان محمود بكتابته، ومصحف مغربي محفوظ في حافظة جلديّة صُمّمت لتكون كلّ صفحة فيه ورقة منفردة، ومصحف بخطّ ابن البوّاب، إلى جانب مصاحف ومخطوطات تعود إلى عصور متباعدة.

 

ومن جملة مخطوطات المكتبة كتاب بعنوان: "شرح كتاب حكمة العين" لشمس الدّين مبارك شاه البحراني، نسخه السّيّد خضر بن جميل العطّار للسّيّد محمود الآلوسي الشّافعي مفتي بغداد، وكتاب بعنوان: "التّنبيهات العليّة للشّهيد الأوّل"، وآخرُ بعنوان: "دلائل الخيرات"، وكتاب بعنوان: "المجموعة الفقهيّة" للشّيخ المفتي محمد أفندي، المعروف بالنّقوي أفندي، يعود إلى عام 1027 ه.  

 

أمّا متحف أبي سيبويه، فتبرز فيه السّاعات بين القطع اللّافتة، ومنها ساعة دائريّة لا تعمل بالطّريقة المعتادة؛ إذ توضع على منحدر خاص وتبدأ بالتّحرّك تدريجيًّا، ويطول زمن عملها بحسب طول المنحدر، من يوم أو يومين إلى سنة أو سنتين، وفيه أيضًا عصًا عاجيّة قاجاريّة نُقشت عليها صور ملوك من الأسرة القاجاريّة، وخاتم من جزيرة تاروت على هيئة رأس ماعز تتوسّط عينيه حجرتا فيروز، وقارورة زجاجيّة حمراء من العهد الفاطمي جُلبت من العراق، فضلاً عن العملات والنّقود والأحجار الكريمة والقطع المختلفة التي ترجع إلى عصور مختلفة.

 

أصبح منزل أبي سيبويه مساحة كبيرة للذّاكرة والتّاريخ، مساحة تضمّ بين طيّاتها نماذج من معرفة الأوّلين المكتوبة، وآثارًا من حياتهم تدلّ عليهم، وتشير إلى قيمة الذّاكرة المعرفيّة والأثريّة التي تصل القديح بذاكرة المنطقة والعالم الإسلاميّ بشكل عام.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد