لقاءات

الشيخ أحمد سلمان: ثورة الحسين عليه السلام الحقيقية بدأت باستشهاده


نسرين نجم

ما بعد العاشر من محرم الحرام ليس كما قبله، فهو مرحلة جديدة من الجهاد والثورة والاستثمار الواعي والهادف لكل منجزات الملحمة الكربلائية.. فقد جسد أبطال واقعة الطف مفردات اكتمال المشهد الجهادي المحمدي الأصيل...

بعد العاشر شكل موكب السبي جزءًا من النهضة الحسينية، وشكلت خطبتا السيدة زينب سلام الله عليها في الكوفة والشام عناوين استراتيجية مهمة لصراع الخير- الشر عبر كل الأزمان، حول ما بعد العاشر، كان لنا هذا الحوار مع الخطيب الحسيني سماحة الشيخ أحمد سلمان:

* فرز المعسكرين لا يزال حتى يومنا هذا:
تُعتبر الثورة الحسينية إشعاع نور للعالم لما تضمنته من قيم ودروس وعبر دينية إنسانية أخلاقية اجتماعية حضارية راقية، تسامت فخلدت بفضل ما أعطت، وقد عبدت الطريق لنهضة الإنسان... وهذا لا يمكنه أن يكون ما لم يكن هناك دماء شريفة طاهرة مؤمنة مظلومة، ومواقف بطولية فيها النخوة والشجاعة... ولكن رغم كل هذا هناك مشهد رست عليه الملحمة الحسينية بعد العاشر يقدمه لنا سماحة الشيخ أحمد سلمان بالقول: "أسدل الستار في يوم العاشر من شهر محرّم على مذبحة شنيعة ليس لها سابقة في التاريخ البشري، فقد قتل فيها الصغير والكبير الشاب والشيبة ولم يسلم من القتل حتى الطفل الرضيع ذو الستة أشهر هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان يوم عاشوراء نقطة فرز لمعسكرين: الأوّل هو المعسكر الذي تمحّض فيه الخير وتمثّلت فيه مبادؤه وقيمه وهو معسكر الحسين عليه السلام وأصحابه، أمّا المعسكر الثاني فهو معسكر الشرّ الذي اجتمعت فيه كلّ المثالب والمخازي، وهذا الفرز مستمّ إلى يومنا هذا فإمّا أن ينتمي الإنسان لمعسكر الحسين فيكون في طريق الخير أو يكون في معسكر الأعداء فيحسب في زمرة الأشرار، ولا يوجد مكان ثالث كالوقوف على التل، فمن سمع واعية أهل البيت ولم ينصرهم أكبّه الله على منخريه في نار جهنّم فهو من الأعداء عياذًا بالله"..

في مثل هذه الأيام من عام 61 للهجرة بدأت مرحلة السبي، ولكن قبل الحديث عنها لا بدّ من التوقف عند دور الإمام زين العابدين (ع)، يقول سماحته: "لا شكّ أنّ الإمام السجّاد عليه السلام هو إمام مفترض الطاعة، ومن هنا فإنّ دور قيادة الركب الحسيني كان منوطًا به، ولا يخفى على القارىء أنّ ثورة الحسين الحقيقية بدأت باستشهاده لا أنّها انتهت به، وهذه النهضة المباركة امتدّت وتواصلت ببركة النساء والأطفال الناجين من المعركة حيث قاموا بدور إعلامي منقطع النظير بحيث أوصلوا خبر هذه الحركة المباركة إلى كلّ مكان وصوا إليه، بل استطاعوا كسب الناس واستمالة الرأي العام، وكلّ هذا الدور العظيم الذي لولاه لاندرست الثورة الحسينية كان ببركة الإمام علي بن الحسين (ع".
ودور الإمام زين العابدين (ع) كان يتواءم مع دور السيدة زينب (ع)  لما وقع عليها من مسؤوليات أثناء مرحلة السبي: "لا شكّ أنّ السيدة زينب عليها السلام كانت تمثّل عامل قوّة في الموكب الحسيني، فهي من جهة تقوم بحفظ إمام زمانها وهو الإمام السجاد عليه السلام بحيث كانت مستعدّة أن تفديه بنفسها، ومن جهة أخرى كانت تقوم بالدور الآخر المنوط بها وهو نشر مبادىء الثورة الحسينية وإيصالها للناس، فكانت لسان الحسين عليه السلام الناطق، ويكفيك وقفتها أمام ابن زياد وأمام يزيد بن معاوية حيث فضحتهما وبيّنت كذبهما ودجلهما بحيث أحدثت زلزالًا هزّ عرشيهما.."

وعند الحديث عن دور عقيلة الطالبيين السيدة زينب سلام الله عليها لا يمكن لأي متابع وموال وقارئ لما حصل في كربلاء وما بعدها إلا أن يقف عند خطبها التي هزت عروش الطغاة، وهذا ما حصل بداية مع خطبتها في الكوفة التي تضمنت العديد من الشعارات التي دفعت الناس إلى إظهار ندمهم وأسفهم على عدم مناصرة أبي عبد الله الحسين (ع)، عن هذه الخطبة يقول الشيخ سلمان: "إنّ خطبة العقيلة زينب عليها السلام في الكوفة أزالت الغمامة من على أعين الناس والغشاوة من على قلوبهم، فقد حطّمت كلّ الدعايات الأموية المغرضة حول منطلقات الثورة الحسينية وأهدافها وركزت على عظم الجريمة النكراء التي ارتكبها زبانية بني أمية في حق ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله، فالإعلام الأموي تلاعب بالحادثة وحرّف كلّ شيء فيها بحيث ظن غالبية أهل الكوفة والشام أنّ هؤلاء من كفّار الديلم أو من الخوارج!".

لا يمكن لأحد أن ينكر بأن خطبة السيدة زينب في الشام من أبلغ الخطب وأفصحها وفيها أسرار الخطبة الفاطمية، عن أهمية هذه الخطبة يذكر الشيخ أحمد سلمان: "بالنسبة لخطبة العقيلة عليها السلام في الشام فإنّها تختلف تمامًا عن خطبتها بالكوفة، فقد تبيّن في الجواب السابق هدفها من خطبة الكوفة، أمّا في الشام فقد كان هدف الخطبة الأساسي هو فضح يزيد وكلّ بني أميّة، ولذلك ركّزت على عدم شرعيّة ملكه سواء من جهة عدم تديّنه بدين الإسلام أو من جهة جهله بأحكام الدين وآيات الكتاب أو من جهة شدّة إجرامه وفظاعة فعله، ولذلك نجد أنّ يزيد قد تفطّن لخطورة ما تقوله زينب عليها السلام إذ من الممكن أن تقلب الرأي العام عليه وتفسد ما شُيّد طيلة هذه السنين فعمد إلى إسكاتها بل هدّدها بالقتل! وفعلًا فقد كان لخطبتها تأثير كبير حتى على داخل البيت الأموي حيث انقلب البعض على يزيد وجاهروا  بالبراءة منه ومن أفعاله حتى أقرب الناس إليه هند بنت عبد الله، ولعلّ من أسباب رفض ابنه معاوية الحكم من بعده هي الحقائق التي جرت على لسان العقيلة عليها السلام في ذلك المجلس المشؤوم"..

* عظمة واقعة الطف في عظمة المضحي:
 إن لحظة استشهاد الإمام الحسين (ع) خلقت نهضة إنسانية أُخرى، فقد أورق دم الحسين عليه السلام لتنتصر مبادؤه الدينية والإنسانية، وهذا ما جعلها حية في الوجدان وبكل الأزمان، وهذا ما يؤكده سماحة الشيخ أحمد سلمان بالقول: "إنّ عظمة واقعة الطف تكمن في ثلاث جهات: الأولى عظمة المضحي إذ إنّ قائد هذه الثورة المباركة هو الحسين بن علي عليه السلام ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والثانية عظم التضحية فمن يقرأ ما قدّمه الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء من قرابين يقف متحيّرًا إذ إنّه قدّم الإخوة والأبناء والأصحاب حتّى الطفل الرضيع! والجهة الثالثة عظمة الهدف فهو عليه السلام لم يكن طالب حكم أو ملك أو جاه إنّما كان له هدف واحد لخّصه في كتابه لأخيه ابن الحنفيّة: وأني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالـمًا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام. فهذه الأمور الثلاث لم تجتمع في أيّ حركة قبله ولن تجتمع في أي ثورة بعده ولذلك ستبقى قضية عاشوراء حيّة غضّة طريّة وستبقى حرارتها في قلوب المؤمنين إلى أبد الآبدين."

إذن لواقعة الطف التأثير الكبير والهام في صناعة نهضة الإنسان وصناعة تاريخ جديد، تاريخ ملؤه الشهادة والتضحية والكرامة والحرية، وقد كان للحسّ الإنساني والفطرة السليمة للبشرية الدور الكبير في الاندفاع نحو القضية الحسينية.. ولا يمكن لأحد أن ينكر الدور الملقى على خطباء المنبر الحسيني في نقل الثقافة الحسينية وجعلها مدرسة يتماهى بها كل الناس، وحول هذه النقطة يشير الخطيب الحسيني الشيخ أحمد سلمان إلى أنه: "تقع على الخطيب الحسيني مسؤولية كبيرة جدًّا وهي إيصال الحقائق العاشورائية لعامّة الناس، وهذه المهمّة اضطلع بها في بدء الأمر الإمام السجاد وزينب وبقيّة أهل البيت عليهم السلام كما تقدّم بيانه في الأجوبة السابقة، ومن هنا فإنّ خطورة دور الخطيب تكمن في أنّه يجلس مجلسهم ويقوم بدورهم عليهم السلام، فكما وقف أهل البيت سدًّا منيعًا أمام التحريف الأموي للثورة الحسينية فإنّ مهمّة الخطيب الأساسيّة هي إكمال هذا الدور لا أن يكون عنصرًا مساهمًا في تحريف منطلقات وأهداف بل وأحداث عاشوراء، فالمساهمة في تحريف أي عنصر من عناصر الثورة الحسينية هو خدمة للمشروع الأموي الذي كان ولايزال حاضرًا بقوّة إلى يومنا هذا وعلى الخطيب أن يختار في أيّ المعسكرين سيكون."

ويشير الشيخ أحمد سلمان إلى ضرورة الاستفادة من هذه الواقعة على الصعيد الشخصي لكل فرد منا فيقول: "رغم أنّ حركة الحسين كانت أيّامًا معدودة إلّا أنّها اختزلت كلّ القيم والمبادىء السامية بل قدّمت لها نماذج حيّة فيها الشيخ الكبير والطفل الصغير، فيها الكهل والشاب، في الرجل والمرأة، ومن هنا فإنّ استفادتنا من عاشوراء تكون بالاقتداء والتأسّي بهذه النماذج الراقية التي ضربت أروع الأمثلة في التضحية والفداء والإباء والصمود والعفّة والشرف والنقاء والطهر، ونحن إذا أردنا إصلاح حياتنا علينا أن نبدأ من كربلاء الحسين (ع) بجعلها نبراسًا لنا تنير طريقنا وتضيء دربنا، جعلنا الله وإياكم من السائرين على نهجهم بحقّ محمد وآل محمد."

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد