لقاءات

الشيخ اسماعيل المشاجرة: لضرورة استثمار الأربعين في محافل ومؤتمرات توظف لصالح قضايا الأمة الكبرى


نسرين نجم

كما في كل عام يتوافد ملايين الزوار من شتى بقاع الأرض في ذكرى أربعين سيد الشهداء (ع) إلى البقعة المقدسة في كربلاء مجددين تعلقهم وانتماءهم ووفاءهم لصاحب الذكرى سبط رسول الله (ص). هذه الزيارة المقدسة والمباركة والتي ذكرت في الكثير من الروايات سيما عند أهل البيت (ع)، ستبقى نقطة الإشعاع الرسالي الأصيل وإكسيرًا للهمم الرافضة للذل والتراجع... عن أهمية إحياء هذه الذكرى والأبعاد التي تحملها وعن أي إنسان صنعته كربلاء؟ كان محور حديثنا مع سماحة  الشيخ إسماعيل المشاجرة :

* إن ما صنعته كربلاء إنسان القيم:
إن النهضة الحسينية لم تكن فقط ضد شخص يزيد الفاني، بل كانت تحمل أبعادًا أكثر من ذلك، فهي قامت ضد جهل الإنسان وانحطاطه وذله سيما أن منظومة القيم في تلك الفترة كانت وكما يقول سماحة الشيخ إسماعيل المشاجرة: "في حالة ضمور وليس ركودًا وحسب، بمعنى أنها أضحت في طريقها للاضمحلال والتلاشي، فإن القيم الإسلامية بل القيم الإنسانية التي هي أشمل من القيم الدينية كانت في ذلك العهد على المحك، إذ بدأ يُعاد تشكيل منظومة القيم في المجتمع الإسلامي وفق الرؤية الأموية، وهذا كفيل بمحق القيم الإنسانية واستبدالها بقيم بارغماتية تنتصر للشخصنة في قبال الانتصار للأنسنة، وهنا قد يُستفهَم أيمكن للقيم الإنسانية أن تتلاشى عند الإنسان والحال أن إنسانيته متقومة بها؟!  فذاتية المجتمع الإنساني إنما هي بقيمه الإنسانية فكيف للقيم أن تضمحل، ألا يعني ذلك زوال الهوية الإنسانية عن ذلك المجتمع؟! ويمكن الإجابة عن هذا التساؤل بالإيجاب وبيان ذلك بإحدى مقاربتين:

المقاربة الأولى: أن معنى اضمحلال القيم الإنسانية يناظر تمامًا ما ورد عن النبي (ص) في حديثه عن القيم الفطرية، وأنها قد تتعرض لحالة مسخ وتشويه فقد جاء عنه (ص) "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه ....الخ " هذا الحديث لا يتكلم عن اليهودية والنصرانية الحقة التي جاء بها موسى وعيسى عليهما السلام، والتي كانت تطابق الحنيفية الإسلامية، وإنما يتكلم عن اليهودية والنصرانية المحرّفة، مما يعني أن منظومة القيم الدينية إذا تعرضت للتحريف والتشويه وصار يُسوّق لهذه المنظومة المشوهة باسم الدين، فهذا كفيل بأن يجعل المجتمع- الأبوان وفق النص- يغذي القيم المشوهة لأبنائه بإخلاصٍ وتفانٍ إلى الحد الذي يطال الفطرة فيشوهها، فإذن عشق الأبوين للدين والحفر في ذات الأبناء باسم الدين، كفيل بأن يحرف الفطرة عن مسارها ويشوه القيم الفطرية، فضلًا عن القيم الأخلاقية، والفطرة هي السطح الجواني (الأرضية التحتية) التي تسبق السطح الأخلاقي، والتي هي ألصق بالذات والذاتية من القيم الأخلاقية التي نعبر عنها بالقيم الإنسانية، وهذا تماماً ما حصل مع المجتمع الإسلامي في أيام يزيد بن معاوية، فالناس ...... - كما يقول السيد جعفر الحلي:
والناس عادت إليهم جاهليتهم
كأن من شرع الإسلام قد أفكا

فكما كان النبي (ص) بدعوته في مكة، يمارس دور استنقاذ الفطرة حينما مسخت في عصر الجاهلية الأولى، فكان يناغي تلك الفطرة التي ضمرت وكادت تضمحل، وهذا هو دور الأنبياء في كثيرٍ من الأحيان، استنقاذ القيم الفطرية التي توشك على الموت، أو على حد تعبير أمير المؤمنين (ع) استثارة دفائن العقول، جاء في النهج "فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، ...."، فكما كان النبي يمارس هذا الدور، كذلك كانت نهضة الإمام الحسين عليه السلام بنحوٍ من الأنحاء تناغي الفطرة الإنسانية في مجتمع الحجاز والعراق في عهد الجاهلية الثانية التي صنعها وأرادها الأمويون للأمة.    

المقاربة الثانية: وتتضح هذه المقاربة من خلال الالتفات إلى مقدمتين:
أ- أن الإنسان في داخله يختزل نوعين من الذاتيات، ذاتيات إنسانية وذاتيات حيوانية، ولذلك يُعرّف الإنسان بأنه "حيوان ناطق"، الذاتيات الأولى هي فطرته وبها يتراحم ويتعاطف مع الآخرين فيشفق ويرأف، والثانية هي غرائزه وبها يستأسد ويستسبع على الآخرين فيظلم ويضطهد.

ب- سلوك الإنسان هو الذي يغذي قِـيَمه، وكلما كان السلوك الاجتماعي يغذي إحدى الذاتيات طغت على حساب الأخرى التي تتضاءل وتضمحل، فإذا كان السلوك يغذي الغريزة طفت على السطح وضمرت مقومات الفطرة، ولذا نجد بعض المجتمعات التي أطاعت غرائزها بات السلوك الغرائزي في نظرها مقوم لإنسانيتها فتنطمس عندها نداءات الفطرة، بل وإلى الحد الذي يصبح معه سلوك المثليّين -كما نرى اليوم- عند هذه المجتمعات طبيعيًّا يجب مؤازرته لأنه -في نظرهم الأعوج- بات مقومًا لإنسانيتهم، وهكذا كان في تلك الحقبة التاريخية، فصارت عبادة المصالح الشخصية وعبادة الدرهم والدينار عند شريحة واسعة من المجتمع الإسلامي جزءًا مقومًا لذاتياتهم، بحيث يستطيع ابن زياد بوعود بسيطة أن يحوّل اتباع مسلم بن عقيل(ع) الذين بايعوه على التضحية بالأرواح إلى وحوش تستأسد في اليوم التالي لقتله".
وبالطبع هذه الحركة وهذه الانتفاضة للقيم الإسلامية أزالت غبار الجهل والشعارات الزائفة التي كان ينشرها يزيد وأتباعه لدى الإنسان، وكأن كربلاء كانت رحمًا لولادة إنسان جديد وهو ما يتحدث عنه سماحة الشيخ المشاجرة بالقول: "بكلمةٍ واحدة إن ما صنعته كربلاء هو (إنسان القيم)، وإذا ما أردنا أن نختصر أكثر، فإن كربلاء صنعت "إنسانًا" فمن لا يمتلك القيم الإنسانية لا يصح أن نطلق عليه مسمى "إنسان"، فكربلاء كانت ولا زالت تعيد إنتاج الإنسان . ولكن صناعة أي شيء مادي يعتمد على مدى فاعلية أداة الصناعة في هذا الشيء، وهذا المعنى ينطبق كذلك على الصناعة الاعتبارية، كصناعة الإنسان قيميًّا، ومن ثم إذا أردنا الحديث عن صناعة الإنسان الكربلائي، فلابد أن نميّـز بين أفراد الأمة بحسب قربهم من وهج كربلاء والصناعة الحسينية، فالتوابون وكذلك من ثاروا مع المختار الثقفي هم صناعة كربلائية وكانت صناعة ساخنة لقربها زمانًا ومكانًا  من كربلاء، وثورة المدنيين في وجه يزيد بن معاوية هي أيضاً من صناعة كربلاء لكنها لم تكن بمتانة وسخونة حركة المختار وحركة التوابين، وذلك بسبب البعد الجغرافي، وهنا لا أتكلم عن البعد المكاني بل أعني البعد عن أداة الصناعة الكربلائية، لأن هذه النفوس كانت واقعة تحت تأثير الثقافة الأموية منذ أمد، وهكذا كلما ابتعدنا عن وهج الواقعة يفترض أن يضعف تأثير الحدث سواءً أبعدتنا الجغرافيا أو التاريخ.

إلا أن أهل البيت عليهم السلام ابتكروا منهجًا رائعًا وفريدًا قادرًا على إعادة إنتاج كربلاء وتحريك وهجها من جديد، فباتت عابرة للجغرافيا وللتاريخ وهو منهج الإحياء، "أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا"، فأصبح يمكننا من خلال مبدأ الإحياء تكرار الوهج الكربلائي وبالتالي إعطاء أداة الصناعة سخونتها من جديد لتمارس دورها في إعادة إنتاج القيم الإنسانية، لكن شرط التأثير، وقدرة هذه الأداة على ممارسة دورها، يتوقف على مرونة وقابلية الخامة الشخصية للفرد على مطاوعة الأداة الحسينية، التي تمتلك براعة وقدرة قل نظيرها في دفق القيم الإنسانية داخل هذا الفرد متى ما سلّم وأسلم أمره لهذه الأداة، هذه الأداة التي امتلكت من التأثير قدرًا  بالنحو الذي رأيناها في يوم كربلاء تؤثر في مثل الحر الذي كان قائدًا عامًا في جيش عمر بن سعد، لكن ما كان للحر أن يدخل ضمن حاضنة الحسين وضمن خط الإنتاج القيمي لكربلاء لولا أنه أسلم نفسه للتأثير الحسيني، وهكذا نحن الآن إذا لم نسلم أنفسنا لوهج كربلاء الذي نعيد إنتاجها في كل عام بإحيائنا لذكرى الحسين عليه السلام، ربما يفوتنا وهج كربلاء وتفوتنا القيم الحسينية، كما فاتت أناسًا كانوا ملاصقين لمعسكر الحسين عليه السلام يوم عاشوراء".

وعن صناعة حركة الإمام الحسين (ع) للحضارة يقول سماحته: "الجغرافيا المكانية لعبت دورًا كبيرًا في حجب الحدث الحسيني في حينه عن كثيرٍ من الناس، أي أنه في سنة الواحد والستين للهجرة، حجب البعد الجغرافي الحدث عن مئات الآلاف بل ربما ملايين الأفراد من الأمة الإسلامية، بحيث أعاقت عشرات الكيلومترات أو مئات الكيلومترات شيعة الكوفة وشيعة البصرة عن الوصول إلى كربلاء ونصرة الحسين (عليه السلام)، وأنا هنا أتحدث عن التضييق والممارسات التي مارسها ابن زياد لمنع شيعة العراق عن اللحاق بالحسين (ع)، فهؤلاء ما كان بوسعهم الوصول، بل حالت حدود وقيود المكان عن الوصول، فبعضهم وصل إلى أرض المعركة بعد انقضاء الحدث، وبعضهم وهم الأكثر لم يظفروا بحريتهم ويتحرروا من قيود السجن (المكان) إلا بعد شهادة الحسين (ع)، فحاولوا تدارك ذلك من خلال الثورة على ابن زياد في الكوفة، فقاموا بثورة الأخذ بالثأر للحسين (ع) ومن قتل معه، وكأن هؤلاء الطيبين الأبرار أرادوا أن ينتقموا من قتلة الحسين (ع) من جهة، وكذلك ينتقموا من حدود الزمان والمكان التي أعاقتهم عن نصرة الحسين (ع)، فهذه المعركة المبادئية القِـيَمية، لها دلالة رمزية أيضًا، فقد كانت في ظاهرها تحمل عنوان الأخذ بالثأر، ولكنها في باطنها كانت تتمثل القيم الحسينية وانتصارها على القيم اليزيدية، وترمز إلى حالة روحية تربوية كان يعيشها هؤلاء المخلصون، وهي حالة انتصار النفس اللوامة على النفس الأمارة، والتي تجلّـت في تدارك حالة الفوت ومغالبة حالة الحسرة على هذا البعد الجغرافي الذي أعاقهم عن نصرة الحسين (ع) والنهوض بتكليفهم في نصرة الحق، ولذلك تمظهرت هذه الحالة الرمزية، في الشعار الذي رفعه هؤلاء سواءً في عنوان "التـوّابين" الذي أطلقه التوابون على أنفسهم أو في شعار "القيام" الذي رفعه المختار في ثورته.

إذن فالعزل المكاني للناس وللشيعة عن الحسين (ع)، كان مقصودًا وملحوظًا عند الأمويين، وهذا ما جرى لشيعته في الكوفة والبصرة بحبسهم ومنعهم، والعكس أيضًا كان مقصودًا وملحوظًا عند الأمويين، أعني عزل الحسين عن شيعته، ولذلك عمدوا إلى جعل المعركة في مكان معزول، في بقعة من الصحراء (كربلاء) بعيدةٍ عن الناس، ثم قتلوا الحسين -أرواحنا فداه- هناك، ليكون الحدث معزولًا بعيدًا عن الأنظار، إذن فالجغرافيا المكانية لعبت دورًا مفصليًّا في أحداث سنة الستين من الهجرة، ولكن هناك جغرافيا من نوع آخر لعبت دوراً أكبر في الأحداث ولا زالت تلعب هذا الدور إلى يومنا هذا، وهي الجغرافيا العقائدية، وهذه الجغرافيا هي ساحة اللاعبين الكبار الذين تتجاوز قدراتهم قدرات الأمويين، فلعبت شخصيات متعددة وعوامل مختلفة في صنع أحداثٍ كبرى هي التي شكلت الجغرافيا العقدية ضمن ساحتنا الإسلامية، وأنا هنا لا أتكلم عن الساحة المكانية من قبيل شام وعراق وحجاز، بل أتحدث عن الساحة المعنوية، فأفترض أن المنظومة الإسلامية الفكرية والثقافية والقلبية بولائها وبرائها تمثل الخارطة الجغرافية الكبرى للعقائد الإسلامية، هذه الخارطة لازالت إلى اليوم هي التي تتحكم في البعد والقرب من منهج الحسين ووهجه، ولكي أربط هذا كله بسؤالكم عن الحضارة وصناعتها، أقول إن هذه الجغرافيا التي أبعدت شرائح واسعة عن نصرة الحسين في سنة الواحد والستين للهجرة، وهذه الشرائح ما كانت تعيقها الجغرافيا المكانية بل كانوا قريبين من الحسين في مكة والمدينة والعراق، بل بعضهم كان مع الحسين في ساحة المعركة في كربلاء لكنه كان يقف في المعسكر الآخر، هذه الجغرافيا أقسى بكثير من سابقتها، فقد أبعدت الكثيرين أمس ولازالت إلى اليوم تبعد شرائح واسعة من الأمة عن قيم الحسين ونهجه فتفوت عليهم الدخول إلى المصنع الحسيني للقيم الحضارية، ومن قسوة هذه الجغرافيا أن الأباعد بدأوا ينهلون من معين القيم الحضارية للحسين فنسمع على لسان غاندي، وإنطوان بارا، وإدوارد بروان، وروبرت أوزبورن، ووليام موير، وغيرهم من غير المسلمين كيف يتغنون بقيم الحسين، بينما يشح بعض المسلمين على أنفسهم بأن ينتهلوا من معينه، وإنما يفوتون بذلك حظهم ونصيبهم، فلا يمكن للأمة أن تنهض بحضارتها من جديد إلا إذا اقترتب من نبع الحسين (عليه السلام) فهو المعين الأقرب لنبع جده صلى الله عليه وآله".

أما بخصوص ما يُطرح ما بين العقل والعاطفة: من ربح في كربلاء؟ يرى سماحة الشيخ اسماعيل المشاجرة بأنه: "في صراع الحق والباطل وفي الأحداث الكبرى في تاريخ الأمم، أهم عنصرين يتصلان بالعقل والعاطفة هما الوعي والحب، فالوعي في حركة العقل، والحب في حركة العاطفة، هما المؤثران في صناعة الحدث، ويرافق كل واحدٍ من هذين العنصرين قرينـَـهُ المعاكس، فالحب يقابله البغض، والوعي يقابله ويعاكسه الإمّعية التي عبر عنها أمير المؤمنين (ع) في بعض كلماته بالتبعية والنعق مع كل ناعق "النَّاسُ ثَلاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ" وفي الثقافة المعاصرة يُعبّـر عن ذلك بحالة التطبيل الإعلامي، الإعلام المحابي الذي يداهن الصوت الأرفع والأكثر نفوذًا، وقد لعبت هذه الإمّعية دورًا كبيرًا في تحريك السواد الأكبر من الأمم في الأحداث الكبرى، فاللاعبون في خط الباطل يعتمدون على التطبيل الإعلامي في تغييب الحقائق، هذا  المعنى نجده حاضرًا في تاريخ الإسلام وأحداثه الكبرى، في كربلاء ومن قبله في صفين، وغيرها من الوقائع التي رسمت مسار هذه الأمة منذ عهد النبي (ص)، فمثلًا الإعلام الأموي استطاع أن يقنع السواد الأكبر من الشاميين الذين خروجوا في صفين بأن علياً عليه السلام محاربٌ للدين، ومعطلٌ لأحكامه، ذاك الذي كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقول عنه بأن الإسلام قام على سيفه وجهاده وبطولاته، وإذا بهذا السواد الأكبر من الناس يقتنع بهذه الدعاية الباطلة، ترى ما الذي يجعل هؤلاء تنطلي عليهم مثل هذه الأكاذيب، إنه غياب الوعي، وعلى عكس ذلك نجد المصلحين والقادة الإلهيين لا يرضون بأن يتبعهم سواد الناس دون وعي، ومن هنا كان أتباعهم في الأغلب الأعم هم القلة من النخب الواعية، وإذا ما لزم الأمر تجمهرًا لسوادٍ من الناس، فتجد هؤلاء القادة يصرون على توعية أتباعهم ولو استلزم ذلك خسارة جزءٍ كبيرٍ منهم ولذا وجدنا التوعية الإعلامية كانت حاضرة في صفوف معسكر أمير المومنين عليه السلام في صفين، وكانت نتيجة هذه التوعية ونتيجة رفض حالة الإمعية القائمة على الجهل أن يخسر أمير المومنين شريحة واسعة من أتباعه هم أصحاب التحكيم الذين انقلبوا على علي عليه السلام بسبب جهلهم وعدم وعيهم وقاتلوه في النهروان، وهكذا الإمام الحسين (ع) في مسيرته إلى كربلاء كان يصر على حالة التوعية لأصحابه، فقد كان يكشف لمن رافقه في طريقه إلى الكوفة كل تفاصيل الأحداث التي كانت تقع، من خيانة الكوفيين وقتلهم رسوله مسلم بن عقيل إلى الإشارات الكثيرة التي تنبئهم بأن مصيره الشهادة، وأنه لن يظفر بالحكم، حتى يتـّـبعه من يتـّـبعه عن بيـّـنة ووعي، ولذا ذكر المؤرخون أنه كان كلما كشف شيئاً كان جملة ممن كانوا معه يتراجعون، قال الطبري ".. وقد علم أنه إذا أذن لهم بالانصراف لم يصحبه إلا من يريد مواساته على الموت" وحتى ليلة العاشر كان يقول لأصحابه "هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً …الخ"، بل قد ذكرت المصادر بأنه أذن للضحّاك بن عبدالله المشرقي من بالرجوع قبيل شهادته (عليه السلام) بساعة حينما اعتذر عن مواصلة القتال معه بعد مقتل أصحابه وأهل بيته، إذن فالوعي في معسكر الحق يمثل ركيزة أساسية عند قادته من المصلحيين الإلهين.

الجانب الآخر هو الحب، لأنه من دون كيمياء الحب لا يتحقق الاعتقاد الراسخ، فالعقيدة الراسخة قوامها أمران الوعي والحب، الحب لله ولأوليائه وللحق ولأتباعه؛ والبراءة من أعداء الله الذين هم أولياء الباطل وأنصاره لأن حب الحق لا يستقر إلا ببغض الباطل، فلا يجتمع حب الحق وحب نقيضه.
 ومتى ما تحققت هذه الثنائية العقلية القلبية (الوعي - والحب)، لا ريب سيكون النصر حليفها حتى لو كان من يحملها قلة قليلة، لأن واقعية الحق وثباته ورسوخه، لا يمكن أن يهزمها سراب الباطل وتهلهله مهما تكاثر أنصاره، ولذا نحن نقول العقل والعاطفة الحسينيان كلاهما ربح في كربلاء، لأن العقل والعاطفة كان يستمدان قوتهما من نبع الحق الصافي، ولذا نحن اليوم نحيا كربلاء ونحيا الحسين في مساري العقل والعاطفة الصادقين، وفي المقابل عاطفة الباطل وإمّعية الباطل ماتت واندثر أثرها لأنها لا تستند إلى واقعية الحق وإنما تستند إلى عدمية الباطل، ولذا ينبغي أن نكون على يقين بأن من نراهم اليوم يمثلون امتدادًا للمعسكر الأموي، وامتداداً لأصحاب الكراهية والحقد لأولياء الله ولأولياء الحق، هم أيضًا إلى زوال لأنهم يستمدون وجودهم من الباطل والباطل بطلان وعدم محض".

العناوين والأهداف التي حملتها نهضة الامام الحسين (ع) ضخمة جدًّا وهذا ما جعلها تنبض بالحياة وترسخ في وجدان من آمن بالحق لأي طائفة أو مذهب أو بلد انتمى. ولكن هل فعلًا  نجحنا في جعل عاشوراء مدرسة حيوية تحاكي واقعنا وتعالج إشكالياتنا الراهنة؟ يجيب سماحة الشيخ المشاجرة بالقول: "عاشوراء لها واقعان ولكل واقع منهما إيقاعه الخاص، الواقع الأول: واقعها العنواني ونعني به، أنها حركة للمظلوم في وجه الظالم وأنها انتصار للدم على السيف وأنها إباء للضيم ورفض للذل "هيهات منا الذلة".
الواقع الآخر: هو واقعها المضموني والذي يتمثل في منظومة ومجموعة القيم والمبادئ التي زحف بها الحسين عليه السلام إلى كربلاء والتي تمثل قيم الإسلام الحقيقي، في قبال مجموعة القيم التي يؤمن بها المعسكر الأموي والتي حاول أن يصور بها الإسلام الزائف، فيزيد كان يقدم نفسه على أنه خليفة المسلمين، ومعسكر عمر بن سعد كان يقدم رؤية للناس أن الحسين (ع) مارق وخارجي خرج على خليفة المسلمين، إذن فهناك تقابل بين منظومتين من القيم، هذا المعنى الذي بيـّـنه الإمام الحسين عليه السلام حين دخوله على الوليد بن عتبة "إنا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ويزيد رجلٌ شارب للخمور معلنٌ بالفجور، قاتل للنفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله"، إذن فعاشوراء معركة قيم، فهناك مبادئ وقيم في قبال مبادئ وقيم.

إذن فهاهنا واقعان (واقع عنواني، وواقع مضموني) ولكل واحد من هذين الواقعين وَقـْـعه المؤثر في النفوس والمؤثر على مسيرة الأمة منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا، بالواقع الأول تأثرت العديد من شرائح الأمة واستلهمت العنوان الحسيني في جملة من النهضات والثورات التي حصلت بعد كربلاء، فثار أهل المدينة وثار الكوفيون تحت تأثير العنوان الحسيني، رفض الظلم ورفض الذل والهوان، وإلى يومنا هذا حينما نحتفي ونحتفل بذكرى عاشوراء نجد هذه العناوين واضحة الحضور في ذكرى عاشوراء والكل منا يردد مثل هذه العبارات، إذن فالواقع الأول حاضر فينا كما حضر في شيعة أهل الكوفة بعد الواقعة، وهذا يعني أن الوقع الأول موثرٌ جدًّا فينا، فمما يمتاز به الشيعة والمستلهمون من نهضة الحسين عليه السلام، إباء الضيم ورفض الذل، لكن الكلام كل الكلام في الواقع الثاني والواقع الثاني، هل هو حاضر فينا وهل حضر في الأمة في تلك العهود التي تعقبت مقتل سيد الشهداء؟! هذا سؤال عريض أعتقد أن واقع الأمة في تلك الأزمان وواقعنا اليوم يكشف عن أن الواقع المضموني لم يحضر في واقعنا إلا بشكل نسبي بسيط جدًّا، فلا زالت منظومة القيم الحسينية التي هي منظومة القيم الإسلامية تنشد من يتأثر بها وينتهجها، ومتى ما حضرت عاشوراء بواقعها ووقعها الثاني أي الواقع المضموني ووقع المضامين يمكن القول حينئذ أن مدرسة عاشوراء باتت حيوية وتحاكي واقعنا، وعندها سنكون حسينين في عنواننا ومضموننا، كما كان سيد الشهداء ومن حضر معه يتمثلون هذه القيم شكلًا ومضمونًا، وعندئذٍ تحصل النهضة الحضارية التي تساءلتم عنها قبل سطور".

* الأربعين هي التي أعطت البعد المكاني للنهج الحسيني:
تمثل زيارة الأربعين أهم نقاط التلاقي بين محبي الإمام الحسين (ع) الآتين من شتى بقاع العالم وعلى اختلاف أجناسهم وجنسياتهم، تراهم مجتمعين في كربلاء في هذا المؤتمر السنوي مجددين فيه الولاء والانتماء لهذا النهج المبارك، وعن أهمية الذكرى وإحيائها وعن القدسية التي تحملها يحدثنا الشيخ إسماعيل المشاجرة بالقول: "ذكرى الأربعين هي امتداد لعاشوراء، وتمتاز ذكرى الأربعين بأمرين مهمين:

الأول: أنها كانت أول مشهد بعد الواقعة يمثل تجديد العهد مع الحسين (ع) بعد شهادته عند قبره (ع)، فكان الأمويون يراهنون على أنه بموت الحسين (ع) ستموت مبادئه ومنهجه، ولكن على العكس تمامًا، بشهادته اشتد وهجه وانتشر منهجه وبات هذا المنهج يستوعب قطاعات واسعة من الأمة، فكانت ذكرى الأربعين هي شرارة وشعلة هذا الامتداد فكان حضور جابر بن عبدالله الأنصاري إلى كربلاء يمثل عنوانًا للسائرين على درب الحسين وبداية لهذا الطريق، وقد التقطت الأجيال هذه الرسالة فتحولت في صورة هذا الزحف المقدس الذي نراه في كل عام، فنحن في مسيرة الأربعين نجدد عهدًا عمليًّا مع الحسين (ع) عند قبره للسير على نهجه، فإذا كانت ذكرى عاشوراء التي نقيمها في كل عام تجديداً للعهد مع الحسين(ع) تحمل بُعدًا زمانيًّا، فإن ذكرى الأربعين التي تعني العودة إلى قبر الحسين وكذلك مسيرة الأربعين في عصرنا الحاضر والحضور عند قبره (ع) هو تجديد للعهد بطابع وبُعد مكاني، وذلك لجعل كربلاء كبقعة مقدسة، هي منطلق لمنهج الحسين (ع) والمشاريع الكبرى التي تحمل نفَس الحسين، ولذا وجدنا التوابين والمختار ومن معه حينما أرادوا التحرك جعلوا نقطة التحرك هو قبر الحسين (ع) مما يعني أن المكان أخذ رمزيته كما هو الزمان، وهذا يفسر لنا ما ورد في بعض الأخبار من أن المهدي (ع) إذا خرج يجعل لكربلاء مركزية خاصة في مشروعه وورد أن خروجه يكون في يوم العاشر من محرم إذن رمزية ومركزية الزمان والمكان لها أثر كبير، فذكرى عاشوراء تعني رمزية الزمان وذكرى الأربعين تعني رمزية المكان، إذن فالأربعين هي التي أعطت البعد المكاني للنهج  الحسيني.

الثاني: أن ذكرى الأربعين ترتبط برجوع زينب (عليها السلام) والسبايا من بنات رسول الله (ص)  إلى قبر الحسين (ع)، ومن هنا أخذت هذه الذكرى بعدًا زينبيًّا وهو مهم جدًّا من ناحتين:
أ-  أن هذا يسلط الضوء على دور زينب (ع) في المشروع الحسيني والذي هو دور مفصلي ومرحلي تكميلي للنهضة الحسينية بحيث ما كان لمشروع الحسين (ع) أن يحقق أغراضه لولا زينب، وهذا يجعلنا نحفظ لزينب (ع) حقها التاريخي ودورها الإسلامي، فلزينب دورٌ مهم في حفظ القيم الرسالية الإسلامية تجعل لها فضلًا على الأمة، لأن المشروع الحسيني هو الذي حفظ هذا الدين، فالأمة الإسلامية مدينةٌ للحسين (ع)، ولكل من ساهم في مشروعه بمن فيهم زينب التي لها دور أساسي في هذا المشروع.
ب- يجعل للمرأة حضورها في المشروع الحسيني، فبزينب (ع) استوعب المشروع الحسيني الجانب النسائي وهو من جهة يعطي رسالة بأن للمرأة حضورها وتموضعها في المشاريع الإسلامية الكبرى، وهذا يجيب عن تساؤل مهم حول كون الإسلام أقصى المرأة، فأي إقصاء ونحن نجد لها حضورها في هكذا أحداث مفصلية، ومن جهة أخرى تعود ذكرى الأربعين لتستوعب بعدًا آخر فتعطي المشروع الحسيني شمولية أكبر، فكما ساهمت في إعطاء البعد المكاني هنا تساهم أيضًا في إعطاء البعد النسائي للمشروع الحسيني وذلك بتوسط زينب (ع)".

كما هو معلوم وشائع فإن أربعين الإمام الحسين (ع) أشبه بالطواف (بالحج) فكيف يمكن استثمار هذه المناسبة للم شمل المسلمين ولتوحيد رؤيتهم حول قضايا الأمة؟ يرى الشيخ المشاجرة بأنه: "لا ريب أن كل ما يتصل بالحسين صلوات الله وسلامه عليه هو أمر يرتبط بعموم المسلمين ولا يختص بالشيعة، فالحسين (ع) هو سبط رسول الإسلام وهو من العترة التي تجب مودتها باتفاق المسلمين، والمودة لها مظاهر، ومن أهمها إظهار الحزن في ذكرى مصاب الحسين (ع) وهذا المعنى مارسه النبي (ص) وندب إليه، وقد ذكرت المصادر التأريخية أن النبي (ص) في أكثر من مناسبة أخبر الصحابة بما سيجري على ولده الحسين وبكى (ص) وأبكى من كان حاضرًا ، وقد أدّب النبي (ص) أصحابه على هذا الأدب، وصارت ثقافةً عند جملةٍ منهم، فقد ذكرت كتب السيرة أن البقية الباقية من صحابة النبي (ص) بكوا على الحسين (ع) بعد شهادته، ابتداءً من أم سلمة وابن عباس رضوان الله عليهما الـذَيـْن أقاما المأتم والنياحة على الحسين في دورهما بالمدينة، عدا عن عموم أهل المدينة الذين أظهروا الجزع عند قبر النبي (ص) حينما جاء الناعي بخبر الحسين، وما واقعة الحرّة التي قتل فيها -بحسب ابن قتيبة في الإمام والسياسة- سبعون أو ثمانون من الصحابة، إلا نتيجة إظهار الصحابة سخطهم وحزنهم وجزعهم على قتل الحسين (ع)، ولذلك بقيت هذه الحالة وهذا المظهر ثقافة عامة عند عموم المسلمين، ومن تفشى فيهم خلاف ذلك فهم امتداد للحالة الأموية ليس إلا، ولذلك نحن نعتبر أن حالة الاستنكار على الشيعة وعلى إقامتهم محافل الحزن والعزاء على الحسين، هي في واقع الأمر امتداد لتلك الحالة الأموية، وإلا فعموم المسلمين ممن لم يتأثروا بالحالة الأموية، وهم سواد الأمة وغالبيتها لا يستنكرون ذلك على الشيعة أبدًا، بل ويشاركونهم في إقامة العزاء وإطهار الحزن، ومن هنا نحن نقول أن الأرضية العاطفية عند عموم المسلمين تساعد كثيرًا، على استثمار هذه المناسبات الحسينية بما فيها ذكرى الأربعين لأقامة المحافل الجامعة التي تجمعنا بكامل أطيافنا وطوائفنا الإسلامية تحت مظلة الحسين (ع) ومظلة العترة الطاهرة (ع) التي أرادها النبي (ص) في حديث الثقلين مظلةً وحبلًا جامعًا تعتصم بها الأمة، وكم هو مؤسف ومؤلم ومثير للاستغراب أن تتجاهل -بعمدٍ وقصد- وسائل الإعلام والفضائيات الإسلامية والعربية حدث الأربعين المليوني الذي تشهده كربلاء في كل عام ، فلا تمارس هذه الفضائيات أي تغطية إعلامية له، في حين نجدها تسارع إلى تغطية أحداث أتفه وأقل من هذا بكثير، سواءً في ثقلها الإعلامي أو في حشدها الجماهيري، وهذا -في واقع الأمر-  يثير الشفقة على ما آل إليه واقعنا الإسلامي الذي عبثت به الطائفية وعبث به أعداء الأمة أيـّـما عبث، ولذلك فنحن ندعو إلى ضرورة أن يتوجه النداء إلى خصوص الفئات الواعية من أمتنا الإسلامية، لاستثمار هذه المناسبة في محافل ومؤتمرات توظف لصالح قضايا الأمة الكبرى، ونركز على النخب الواعية، لأن حركة الحسين كما أسلفنا هي حركة الوعي، ولا تقبل حالة الإمعية التي يحاول أن يفشيها الإعلام السائد الذي يخضع لأجندات طائفية وسياسية باتت معروفة ومكشوفة، وهذه المحافل والمؤتمرات متى ما أقيمت فهي قادرة على استعادة حالة الحب المخبوءة في نفوس الأمة والتي أشرنا إلى أنها حاضرة في وجدان كل الأفراد إلا من شذ، وهي ساخنة إلى الحد الذي يُضمن معها إعادة تموضع الأمة وإعادة حالة الوعي الذي تنشده حركة سيد الشهداء".

عن الإمام الحسن العسكري أنه قال: "علامات المؤمن خمس؛ صلاة إحدى وخمسين؛ وزيارة الأربعين؛ والتختم باليمين؛ وتعفير الجبين" فهل كل من زار في الأربعين أصبح من المؤمنين كما يفهم البعض رغم أن تصرفاته وسلوكياته خلال أيام السنة بعكس مبادئ الإيمان والدين، فما هي شروط هذه الزيارة؟ يجيب سماحته بالقول: " هذه الرواية رواها الشيخ الطوسي في التهذيب وفي المصباح عن الإمام العسكري (عليه السلام) وكذلك رواها ابن المشهدي في كتاب "المزار" أرسلها الطوسي وأسندها ابن المشهدي إسنادًا لا يخلو من قطع، وهي وإن كانت مرسلة إلا أن الأعلام تلقوها بالقبول ولذلك اعتبروها من المؤيدات لثبوت زيارة الأربعين بعنوانها الخاص، والتي دلت عليها -أعني زيارة الأربعين- روايات أخرى فيها المعتبر كرواية صفوان الجمال عن الإمام الصادق عليه السلام، فهي معتبرة عند جملة من الأعلام.
ونص هذه الرواية التي نقلتموها، يجيب عن التساؤل الذي طرحتموه، إذ أن هذه الرواية  تعطي ملامح مهمة لشخصية المؤمن الذي يزور الأربعين، لأن مفادها طرح هذه العلامات على نحو المجموع، لا على نحو البدل، وبلغة اليوم فهي تطرح هذه العلامات بالرابط "و" وليس بالرابط "أو"، أي أن المؤمن هو من تجتمع فيه هذه العلامات، وبالتالي زائر الأربعين ينبغي له أن يتصف ببقية هذه الأوصاف، وإذا تأملنا هذه الأوصاف نجد أنها ذات أبعاد مختلفة:

ففيها البعد العبادي كالعلامة الأولى والثالثة التي تكشف عن حالة من التهجد وإحياء الليل بكثرة السجود وطوله، ولا تخلو أيضًا هاتان العلامتان من الإشارة إلى جانب سلوكي، فالمحافظة على الصلوات الواجبة والمستحبة تكشف عن حالة من التدين الحقيقي والسير على جادة الشريعة الذي يدل على العدالة وعمق الإيمان، كما أن تعفير الجبين يكشف عن كثرة السجود بما فيه سجود الشكر الذي نبهت الروايات على ضرورة تكراره عند كل نعمة مما يعني أن تعفير الجبين يتضمن أن يكون العبد حامدًا شاكرًا لله تعالى راضيًا بقضائه وقدره.
وبعض العلامات تتضمن بعدًا عقائديًّا كالجهر ببسم الله الرحمن الرحيم الذي هو إشارة إالى الانتماء للمدرسة الفقهية لأهل البيت (عليهم السلام)، وأما زيارة الأربعين فهي تكشف عن بعدٍ حسيني خاص، إذ أن للحسين ونهج الحسين عليه السلام انعكاسه الخاص علي سلوك المؤمن، فقد جعلته بعض النصوص عنوانًا لكل خير في هذه الحياة الدنيا، فقد جاء في كامل الزيارات عن الصادق (ع) "من أراد الله به الخير، قذف في قلبه حب الحسين (ع) وحب زيارته".

وبكلمة أخيرة يقول سماحة الشيخ إسماعيل المشاجرة: "الكلمة الأخيرة، ترتبط بهذا الزحف المليوني الذي نراه هذه الأيام عبر المسيرة الحسينية الأربعينية، فقد أصبحت هذه المسيرة ظاهرة ومعلمًا من معالم التشيع الذي يتكرر في كل عام، ومن هنا فينبغي التنويه بعدة أمور ترتبط بهذا الجانب:

الأمر الأول: ينبغي المحافظة على هذه الحالة، فلا يصح ممارسة أي دور سلبي يُضعفها، بل على العكس تمامًا ينبغي دعمها والذبّ عنها لأنها كما ألمحنا باتت عنوانًا للتشيع، مضافًا  إلى ما تتضمنه من سلوكيات غاية في الإيثار والبذل والتضحية، بل من جرّب هذه الرحلة الإيمانية يلمس فيها من مواقف تربوية الشيء الكثير، فمن لا يوفق للمساهمة بمسيرته مع هذه الجموع، فينبغي أن يساهم بالكلمة الداعمة أو الموقف الإعلامي الداعم، ثم أننا لا نجد أي مبرر أبدًا لهذا التضعيف ولا ذريعة له، فالزيارة ثابتة باتفاق الجميع إما بعنوانها الخاص كما هو رأي جملة من فقهائنها أو بعنوانها العام وبالتالي لا معنى لمحاولة التشكيك في مشروعيتها، أو فضلها، وأما المؤاخذات الأخرى التي تطرح من قبيل نقد السلوكيات المصاحبة فلا يصح جعلها ذريعة لذلك، لأن مثل هذه السلوكيات قد ترافق أي تجمع ديني حاشد كالحج مثلًا، أو صلاة الجمعة، فلا يصح جعل ذلك ذريعة للتوهين في مثل هذه المندوبات الشرعية.

الأمر الثاني: لا ينبغي أن نسيء الظن بمن يحاول أن ينتقد بشكل هادئ بعض السلوكيات نقدًا بنّــاءً بغرض تهذيب بعض الجوانب أو تطوير هذه الظاهرة، فإن حب الحسين (عليه السلام) يملأ قلوب جميع المؤمنين، وكثيرٌ ممن ينتقدون بعض الأمور تحركهم الغيرة والحب للطائفة وللحسين، فلا يصح أن نزايد على بعضنا في هذا السياق، إلا اللّهم من يُفرط كثيرًا فيقدم نفسه على خلاف ذلك.

الأمر الثالث: مما يؤسف له أن نحوّل المظاهر الحسينية، سواءً في عاشوراء أو في الأربعين، إلى مناسبات للجدل والتراشق والنزاع الذي يفت في عضدنا ووحدتنا ويساهم في تشرذمنا وتمزقنا فيحقق أهداف من يتربص بنا، ومن المفارقات الغريبة، أننا نقع في مغبة ذلك في الوقت الذي ندعو فيه المسلمين جميعًا بل وكل الأحرار في العالم للاحتفاء بهذه المناسبات الحسينية، لنجعل من سيد الشهداء منارة ومظلة عامة يستظل بها جميع الأحرار".

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد