
المعرفة الفائقة بما هي معرفة وحيانيَّة، تدركُ العالم المرئيَّ لا على نحو التجسُّد الماديِّ، وإنما بالاتصال الإيحائيّ بوساطة الإشعاع الصانع للحياة. وعلى وجه التحقيق يجوز القول: إن الأفكار المتأتِّية من الذات المطلقة إنما تتأتَّى لبيان الواقع المشهود على حقيقته. وهذا ما يُقصدُ من العلم الحضوري الذي لا يُنجَزُ بالمفاهيم المجرَّدة والصور الذهنيَّة، وإنما بالحقائق الواقعيَّة المشهودة.
والفارق بين العلِمين (الحصوليِّ والشهوديِّ) أن العلم المحصَّل في الذهن قد ينفكُّ عنه أثره بسبب من شكوكيَّته وحساباته الإحتمالية وتعرُّضه للخطأ والصواب، بينما العلم الحضوريُّ مقتضاه ومآله ثبوت اليقين ورسوخه في قلب العارف وعقله. وإذن، فالأفكار الفائقة الناجمة عن المعرفة الحضوريَّة هي بهذا المعنى حقائق واعية بيِّنة، ومنها يتشكَّل الوعي بعالم الحقيقة الأعلى. بل من الصواب أن يقال إن المعرفة الفائقة خفيَّةٌ على ما دونها، إلَّا أنها متَّصلة بها بحبل متين. ومن خلال هذا الاتصال الجوهريِّ تروح تتوغَّل إلى أعماق الوعي من أجل أن ينفسح الأفق لانبثاق معرفة لا تشبه أي معرفة أخرى.
خاصِّيَّة المعرفة الفائقة بهذه المكانة، أنها معرفة حاوية للعقل والفؤاد. كذلك هي جامعة شمل المفارقات بين العلم الاكتسابيِّ الطبيعانيِّ والتلقّي الربَّاني اللدُنِّي. وما كان لهذا أن يكون إلَّا على نشأة وصلٍ لا يقبل الفِكاك بين منطق النظر ومنطق الأثر كأساس للتعرُّف على الفائق. ونقد وَجَبَ أن هذين المنطِقَين ينتميان الى سلالة واحدة، ولكلٍّ منهما منهاجه ومسراه: قوام منطق النظر الكيفيَّات التي بها يمارس العقل نشاطه الاستدلاليَّ وقياساته المنطقيَّة توخِّيًا لمعرفة الأشياء كما هي في الواقع الخارجيِّ، أما منطق الأثر فقوامه اللَّمح الباطني الذي يستشعره العارف ويظهر أثره في سلوكه وتوسُّع آفاق معرفته. بمعنى أوضح: أن الأثر المترتِّب على الكشف يرفد وعي المكشوف له، ويدفع به نحو إدراكات لا يتسنَّى للعقل البرهانيِّ أن يدركها.
المعرفة الفائقة هي إذًا، حاصل وحدة المنطِقَيْن في منطق الميتافيزيقا البَعديَّة. ذلك بأنها معرفة تتعدَّى ما يتراءى لحاسة العين وارتياضات العقل الحاسب. ولكونها "معرفة ما بَعديَّة"، فإنَّها لا تكتفي بإعادة ترتيب المقدِّمات المنطقيَّة التي تتيح الوقوف على قوانين الكون الفيزيائيَّة، بل تمضي إلى المنطقة المضنون بها على غير أهلها، حتى تتبيَّن ما يتجلَّى فيه من حضور أصيل لحقائق الموجودات، وتتعرَّف على مكنوناتها وعلَّة تفوُّقها وتساميها. ولأنَّ الفائق في هذه المنزلة يعادل المقدَّس، فللتعرُّف على هذا الأخير مائزتان:
الأولى: أن يشعر المتعرِّف وهو في حضرة الفائق، أن المقدَّس يستحوذ على عقله وكيانه، جاذبًا إيَّاه إلى عوالم يجد نفسه فيها محاطًا بالرَّهبة والانتشاء في الآن عينه.
الثانية: أن يلج المتعرِّف الحضرة يختبرها كحضور مباشر، ويتعرَّفُها بما هي معرفة يقينيَّة لا يشوبها من الريب شائبة.
معرفة الفائق منتهاه التفاؤل لأنه علمٌ متَّصلٌ بعناية العقل القدسيِّ وتسديده. والآخذ به يستأمنه على نفسه حفظًا له من السقوط في لجَّة العدم.أما دربتها المعرفيَّة فمتصلة اتصالًا ذاتيًّا بالمقصد الأعلى. ولهذا فحين تستفهم عن أمرٍ ما فإنما تروم الاستفهام الآمن عن حقيقة الوجود. فالاستفهامات المؤيّدة بالَّلامتناهي والقدسيِّ، لا تقبل التبدُّد؛ لأنّها محفوظة على الدوام بما يفيض عليها القدسيُّ من علم. أما سؤالها الموصول بعروة وثقى بالمبدأ الإلهيِّ فإنّه سؤال حاوٍ لسواه من الأسئلة المستفهِمة عما استغلق من خفايا الكون والإنسان. ما يعني أنَّ السؤال في المقام الوحيانيِّ متضمَّنٌ في كوامن الوجود وظهوراته. وعليه، فهو سؤال مخصوص بعقل مفارق يسري قُدُمًا في ترقِّيه المعرفيِّ نحو ما هو فائق من أسرار الوجود. من أهمِّ مفارقات هذا العقل في مساره الامتداديِّ أنه يعي معايب العقل المقيّد ومعاثره.
ولمَّا كان من خصائصه جمعه للأضداد؛ فإنه يستطيع في مثل هذه الحال أن يُدرجَ العقلَ البرهانيَّ كمرتبة ضروريَّة في مراتب الفهم شريطة أن يبقى على وصل بأطواره الامتداديَّة وصولًا إلى العقل الأعلى، أي "عقل الفهم عن الله". لهذا السبب لم يتوانَ العرفاء عن نقد العقل الحسِّيِّ باعتباره عقلًا مانعًا لإدراك ما يحتجب من حقائق الوجود. في هذا لقد عايَنَ ابن عربي ماهيَّة العقل الممتدِّ فرأى: "إن مما هو عقل، حدُّه أن يعقِلَ ويضبُطَ ما حصل عنده، فقد يهبه الحقُّ المعرفة به فيعقلها، لأنَّه عقلٌ لا من طريق الفكر؛ فإنَّ هذه المعرفة التي يهبها الحقُّ تعالى لمن يشاء من عباده لا يستقلُّ العقل بإدراكها ولكن يقبلها، فلا يقوم عليها دليل ولا برهان لأنها وراء طور مدارك العقل"...
تقرُّ المعرفة الفائقة بتعذُّر معرفة نفس الأمر أو إدراك ذات الشيء، إلَّا أن بالإمكان فتح الباب على هذا المحل المتعالي عبر التعاطي معه في ظهوراته التي هي سرُّ الألوهيَّة الظاهر في العالم العينيِّ. ومثل هذا التعاطي يفوق ما اتخذه العقل الأدنى دربة له لمَّا حدَّ مهمَّته بمعرفة ظهورات الأشياء. من هذا النحو تتعيَّن فائقيَّة المعرفة في المنطقة التي يجتاز فيها العقل إمكانيَّاته الاعتياديَّة، من أجل أن يتعرَّف على الفائق الذي يلتمسه العقل المجرَّد من خلال استشعار آثاره. ربما علينا أن نسلِّم بأن القدرة المعرفيَّة في طور المعرفة الفائقة تستطيع أن تربط بين ما هو عقلانيٌّ وما يقع فوق طور العقل. أما تحقُّق هذه القدرة فهو ثمرة الرابطة الذاتيَّة بين الميتافيزيقيِّ والطبيعيِّ باعتبارها شأنًا جوهريًّا واحدًا.
وتبعًا لهذه المفارقة فإن ما لا يُدركُ بالنظر يمكن إدراكه بالأثر. فإذا كانت إحدى سمات الطبيعة الإلهيَّة عدم قابليَّتها الجوهريَّة للإدراك، فقد وَجَبَ ان يكون ما ينبثق من مشيئتها الَّلامتناهية متَّصلًا بها. ولأنَّ طبيعة النسخة المنبثقة عن هذا الأصل، لو اتفق أن تدرك فيما الأصل فوق الإدراك، لجاءت النتيجة باطلة، والعكس صواب. فقد يصادف المرء حادثة ما، ولا تجد تفسيرًا لها طبقاً لسنن الطبيعة وقوانينها المعهودة، إلَّا أنَّ هذه الحادثة ما دامت قد حصلت بالفعل وترتَّبت عليها آثار واقعيَّة فمن الضروريِّ حالذاك أن للذي حَدَثَ علَّةٌ أخرجته من كمونِهِ ليصبح واقعًا فعليًّا. منطق المعرفة الفائقة يقول أن هذه الحادثة ما دامت تفتقر إلى علَّة "طبيعيَّة" يجب أن يكون لها علَّة فوق طبيعيَّة. ومثل هذا المنطق ثابت وعقلانيٌّ ومتين من خلال التفكير المجرَّد الذي ينتفي فيه أيُّ تناقض. لذلك لا تقوم المعرفة الفائقة على مدَّعيات غير مؤيَّدة بالمنطق أو غير مسدَّدة بالعقل. الأمر نفسه ينطبق على الأنطولوجيا الفائقة أو ما نسمّيه بالميتافيزيقا البَعديَّة، فهذه لا ترى أيَّ حرج في إمكان الوصل الوطيد بين الغيب والشهود، وبالتالي بين الألوهيَّة المحتجبة تجلي طاقتها في الواقع بأنحاء وصور لا حصر لها.
عندما ظهرت المعارف التي أنتجها العقل العلميُّ بدت أشبه بعلوم ظلِّية للميتافيزيقا البَعديَّة. ومنذ البدء سألت هذه المعارف عن حقيقة العالم وشكَّكت بوجود مبدأ مؤسِّس له، ثم ذهبت إلى إبطال أن ثمَّة بادئًا لهذا المبدأ. وبسبب من ذلك تحوَّلت إلى مبدأ يُصدِرُ أحكامه على القوانين الحاكمة على الكون والإنسان. وهكذا وجّه العقل العلميُّ جلَّ قدراته على فهم العالم الماديِّ بهدف الاستحصال على منافع هذا العالم وخيراته. وتبعًا لهذا المسرى تراجعت المعرفة الروحانيَّة، وتلاشت أسئلة القلب لصالح أسئلة العقل. ثم لتنتهي الحكاية إلى أن دينًا بلا برهان وعلمًا بلا إيمان سيحتدمان على غير هدى ولن يغلب أحدهما الآخر قط.
الأطفال في سن الشهرين يرون الأشياء بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يعتقد قي السابق
عدنان الحاجي
التعرّف على الفائق (2)
محمود حيدر
في وداع الشهر الفضيل: ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة (2)
الشيخ محمد مصباح يزدي
معنى قوله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا..}
الشيخ محمد صنقور
لماذا تكررت قصة إبليس في القرآن الكريم؟
الشيخ مرتضى الباشا
معنى كلمة (ثبر) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ما الفرق بين الرحمانية والرحيمية؟
السيد عادل العلوي
في معنى مرض القلب وسلامته وتفاقمه وعلاجه
السيد محمد حسين الطبطبائي
القوّة الحقيقيّة للإيمان
السيد عباس نور الدين
معنى سلام ليلة القدر
السيد محمد حسين الطهراني
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
الأطفال في سن الشهرين يرون الأشياء بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يعتقد قي السابق
التعرّف على الفائق (2)
الفيلم القصير (عيديّة): أحلام الفقراء رهينة جيب مثقوب
في وداع الشهر الفضيل: ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة (2)
ليلة الفطر، ليلة الغفران
معنى قوله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا..}
لماذا تكررت قصة إبليس في القرآن الكريم؟
شرح دعاء اليوم الثلاثين من شهر رمضان
التعرّف على الفائق (1)
(المعين للسّفر الأبديّ) كتاب لمركز علم الهدى الثّقافي