قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾

المسألة:

 

قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾(1) ما معنى "تُبسل" في الآية المباركة؟

 

الجواب:

 

مفاد الآية المباركة وذكِّر يا رسول الله (ص) بالقرآن أو بيوم الحساب مخافة أنْ تُسلَم نفسٌ للهلاك والعذاب يوم القيامة بما كسبت من السيئات، أو وذكِّر بالقرآن وحذِّر به لئلا تُحبس نفسٌ في الجحيم بما كسبت أو تُرتهن في جهنَّم بسبب سوءِ ما كسبت من السيئات.

 

فمعنى الإبسال والبسْل هو التسليم، والأصل اللُّغوي للإبسال هو المنع بالقهر والقسْر، فإطلاق الإبسال وإرادة التسليم نشأ عن أنَّ المسلَّم إليه يمنع المسلَّم من مثل الفرار، فالسجَّان حين يُسلَّم إليه الجاني فإنَّه يمنع الجاني بالقهر والقسر من الفرار لذلك يُقال أُبسلَ الجاني للسجَّان، وكذلك حين يُسلَّم المال المرهون للدائن فإنَّه يمنع هذا المال من أنْ يصير في يد المدين، فالمال المرهون مُبسَلٌ أي محبوس وممنوع من أنْ يصير في يد المدين حتى يؤدِّي ما عليه من الدين.

 

فأصل الإبسال هو المنع، ولذلك يُقال أسدٌ باسل لأنَّه يمنع فريسته من الإفلات، ويُقال للرجل الشجاع بأنَّه باسل لأنَّه يمتنع بقوته من قرنِه المبارزِ له. ويقال أبسلتُ المكان أي حفظته ومنعته من أنْ يُهتك أو قل جعلتُه بسلاً أو مُبسلاً على مَن يُريد هتكه أي ممنوعاً على مَن يريد هتكه أو اقتحامه.

 

ويُقال هذا الفعل بسْلٌ عليك أي أنت ممنوع منه وهو محظورٌ ومحرَّمٌ عليك، والفرق بين البسْل والحرام هو أنَّ الحرام يعني المنع بالأمر والتشريع أو بالأعم من المنع بالتشريع أو بالقسر، وأمَّا البسْل فيعني المنع بالقوَّة والقهر.

 

وبهذا يتَّضح المراد من الإبسال في الآية، فمفادها الخطاب للنبيِّ الكريم (ص) بأنْ يُذكِّر الناس بالقرآن ويعظهم به ويُحذرهم فيمثلوا لأوامر الله تعالى وزواجره، لكيلا يتمَّ تسليمهم للعذاب ولئلا يُحبسوا في جهنَّم ويُمنعوا -بالقسر- من القدرة على النجاة منها.

 

فمعنى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ هو أنْ تُحبس نفسٌ في جهنَّم بسبب ما اجترحته من السيئات أو أنْ تُرتهن نفسٌ في جهنَّم بسبب ما جنته في الدنيا كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾(2).

 

ثم قال تعالى لتأكيد أنَّ النفس المكتسبة للسيئات محبوسة مرتهنة في جهنَّم: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾(3) أي ليس لهذه النفس ناصرٌ ينتصرُ لها من دون الله، وليس لها شافعٌ تُقبل فيها شفاعتُه، ولو أنَّ هذه النفس جاءت بكلِّ فديةٍ لتفتدي بها فإنَّها لا تقبل، فالمحبوس في العذاب هي ذات النفس التي اكتسبت السيئات، ولا شيء يُستعاض به عنها.

 

ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾(4) أي سُلِّموا للعذاب وحُبسوا فيه، فلا منجى ولا مخلص لهم منه، وهم إنَّما صاروا إلى هذا المآل بسبب ما اكتسبوه من الجرائر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- سورة الأنعام / 70.

2- سورة المدثر / 38.

3- سورة الأنعام / 70.

4- سورة الأنعام / 70.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد