علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

وحدة الاختبار الروحي بين ابن عربي ولاوتسو (5)

ديالكتيك العدم والجلاء عند لاوتسو

 

لا ينأى الطريق إلى فهم الحقيقة اللاَّمتناهية للوجود لدى العرفان الإسلامي عما توصلت إليه صوفية الشرق الأقصى من مقاربات لتلك الحقيقة. فالحقيقة المقصودة هي نفسها، وإن اختلفت اللغة ووسائط الإعراب عما في الاختبارات الروحية والمعنوية من حقائق مستترة.

 

يقول لاوتسو منبِّهاً أحد مريديه: التاو لا يدرك فهو لا يتعلق بالأفكار، و”تعاليمي يسهل فهمها…لكن عقلك لن يستوعبها أبداً” Tao Te Ching, 21,70). يمكن أن تطول هذه اللائحة على نحو غير محدد، لأن الصوفيين مجمعون في موقفهم المعارض لأن يكون العقل طريقاً يمكن أن يوصل إلى قمة الجبل المقدس. وفي مقطع آخر يقول الحكيم الصيني: “فوق ليس مُشرِقاً / تحت ليس مظلماً / يعود إلى عالم اللاشيء /  صورة من دون صورة / لطيف لا ينالُه إدراك / اقترب منه ولكن ليس هناك بداية / اتبعه ولكن لا يوجد نهاية / لا تستطيع معرفته لكنك تستطيع أن تكون هو / اعرف فقط من أين أتيت / هذا هو جوهر الحكمة”. (Tao Te Ching 14).

 

لنا أن نشير إلى أن حضارة الشرق الأقصى تختزن عوالم روحانية عميقة الغور في التاريخ. وهي على تعددها واختلافها فإنها تتلاقى في النقطة العليا. ولو كان لنا أن نعدّ حضارة الصين كمثال على روحانية الشرق الأقصى لوجدنا مركبة من ثلاث عقائد متداخلة في ما بينها رغم تمايزها التاريخي والتفصيلي وهي: الكونفوشيوسية، والبوذية (القادمة من الهند)، ناهيك عن التاوية.

 

تهتم الكونفوشيوسية بتشكيل هندسة معنوية وأخلاقية غايتها تحقيق عروة وثقى تربط الفرد بالمجتمع والدولة، وتعلِّم الإنسان كيفية تطبيق هذه الهندسة. في حين تركز الديانة البوذية على جلاء الصلة بين الإنسان بذاته ومع خالق الكون.

 

أما التاوية فتركز على تعريف صلة الإنسان بالحياة والوجود، وتستهدف بتعاليمها إرشاده إلى كيفية خلق التناغم الكلي  داخل نفسه ومع الكون حتى بلوغ (التاو) أي تحقُّق الانسجام الكلي. ولذا يُنظر إلى التاوية بأنها أكثر العقائد حضوراً وتأثيراً في الحياة الصينية. وتحتوي على جوانب عديد تتعلق بالكثير من تفاصيل الحياة الإنسانية والوجود الكوني. والمعروف أن التاوية الفلسفية تغتذي من كتابين أساسيين: الأول وهو الـ”يیکنك”، وقد ألفه “لاوتسو” مؤسس التاوية، في القرن الثالث ق.م. والثاني هو الـ”چنگ تسی”، ويضم مجموعة من الأمثال والمواعظ، وصنفه “چنگ تسي” بعد فترة قريبة من صدور الكتاب الأول.

 

يقوم جوهر التاوية على فكرة مؤداها: ـ إن الوجود بأجمعه، بما فيه الوجود الإنساني، يتكون من قوتين أو طاقتين متكاملتين: (ين ـ يان) وتكتب أيضاً (ينغ ـ يانغ) ولفظها الصحيح هو(ینگ ـ یانگ). ويمكن ترجمتهما بعدة كلمات: المؤنث ـ المذكر/ البارد ـ الحار/ المنفعل ـ الفعال / السالب ـ الموجب. هذه (الثنائية تكاملية) تشير إلى أن كل طرف منها لا يوجد إلاّ مع الطرف الآخر. فليس هنالك ليل دون نهار، شهيق دون زفير، ذكر دون أنثى، ساخن دون بارد.. إلخ؛ وكلٌّ منهما يحمل معه قدرة التحوُّل نحو الآخر. أما كلمة (تاو) فهي تعني (طريق الانسجام) للتوازن والتكامل بين طاقتي الوجود. أو بمعنى آخر، القوى المطلقة والغاية القصوى لكل الوجود. ولأن ثنائية الوجود عند التاو هو ثنائية تكاملية، فإن الخير هو الانسجام والتكامل بين الثنائيات، أما الشر فأنه ينتج من تخلخل الانسجام والتوازن بين هذه الثنائيات. فمثلاً، إن توازن (البرد والحر، الليل والنهار، الرجل والمرأة، الدين والدنيا، الحداثة والإصالة، الدولة والشعب، الواجب والمتعة، الفرد والمجتمع…)، هو الخير، وغلبة أحدهما على الآخر، هو الشر. والخير يكمن في انسجام الثنائيات، وأما الشر فيكمن في تناحرهما. الأنثى وحدها هي الوحشة والجفاف، والذكر وحده هو السأم والموت، الانسجام والتوافق بين الاثنين هو الحب والخصب والحياة. بين الماضي والمستقبل هناك الحاضر، والحاضر هو الخير وهو الواقع، وهو الماضي والمستقبل بآن واحد. إن الشر لا يكمن في النار وحدها بل في الثلج أيضاً، أما الخير فيكمن في وسط النار والثلج، أي الماء الجاري من اتحادهما، وهو الارتواء والخصب وسر الحياة(1).

 

الجلاء كمعانقة للعدم

 

سوف نرجع إلى كتاب لاوتسو (حوالي القرن السادس قبل الميلاد) المسمى: تاو تي تشنغ وكتاب تشوانغتسي (375-300 قبل الميلاد) لفهم المضامين الكونية لمعنى العدم في الجلاء. فإذا حملنا مفهوم العدم على الجلاء، فلن تعود علاقتهما علاقة اعتماد متبادل، بل ستخضع إلى حقيقة جوهر الوجود، فلو اعتبرنا أن معنى الجلاء هو معانقة العدم لذاته كما تفعل التاوية، لربما انفتح السبيل من أجل رأب الصدع المفرِّق بين العدم والوجود.

 

مثل هذه المعانقة بين ثنائية العدم والوجود سوف تفضي إلى توحيد الوجود الذي حرص ابن عربي على تظهيره من خلال التكامل الذي أجراه بين الوحدة والكثرة، وبين الله والعالم عند التاوية سنجد مفهوم الجلاء هو المعادل لهذه السيرورة التكاملية بين انحاء الكثرة اللامتناهية في الكون.

 

ولو كان لنا أن نلقي نظرة على الكلمة الألمانية للجلاء، Lichtung، سوف يتبين أنها مفردة مشتقة من الفعل: lichten أي الذي يمكن له أن يترجم كتسوية الأرض، أما كاسم فهي تعني الإنارة والانفتاح من غير حجب وموانع. يستخدم هايدغر الكلمة بمعنى فتحة في الغابة خاوية من الموانع، مما يتيح لها المجال لكي تلعب دور فضاء موجود باستقلال عن التأثير المتبادل بين وجودها في وجهيه: المستتر والظاهر(2) أما بالنسبة إلى الإنارة، فمع أن هايدغر كان قد ربط بين الوجود والنور في أعماله المبكرة وخصوصاً عمله الأكثر بياناً وإثارة للجدل: “الوجود والزمن”(3)، فيبدو أنّه قد عاد ليرفض هذا التشبيه في بعض أعماله.

 

يسأل هايدغر: هل للجلاء والنور أي علاقة مع بعضهما بعضاً؟ ثم يجيب: من الجلي أن الأمر ليس كذلك! «الجلاء» يتضمن المعاني التالية: الإيضاح، إرساء الأسس، الكشف والبيان؛ لكن هذا لا يعني أنه حيث «يجلِّي الجلاء» سيوجد لدينا بالضرورة الإشراق والسطوع، فما ينجلي هو الحر والمنفتح. وفي الوقت ذاته، ما ينجلي هو بعينه ما يستر نفسه ويخفيها(4).

 

حين يتكلم لاوتسو عن حكماء العصور القديمة أصحاب المعرفة المقربة بالتاو (أو المطلق)(5)، يعود ليتساءَل: «من يقدر على تسكين الماء الموحل، ليعيده ببطء إلى الصفاء، ومن يقدر أن يحرك المياه الساكنة، ليعيدها ببطء إلى الحياة؟(6)“.

 

بالنسبة إلى لاوتسو وتشوانغتسي، فإن قيام الإنسان بإزالة ارتباطه بمقاييس الصواب والخطأ و«هذا وذاك» وهلم جرًّا، يعني أن يطهر نفسه من تللك الأشياء التي تمنع تناغمه مع التاو، فإن هذه الوحدة المتناغمة مع المطلق هي ما تتيح المجال أمام الرجل الحكيم ـ الذي تعرفه التاوية على أنه ذاك الذي يحاذي طريق التاو ويتحقق به ـ كي يجتمع مع كثرة الأشياء في العالم في حالة من الوجود اللاَّمتعين الذي لا فرق ولا تحديد فيه، حيث يسير بين الأشياء متحرراً من الهم عليها والاهتمام بها. ولذا فإن الرجل صاحب الإشراق والطهارة الحقيقيين قادر على الدخول في البساطة المحضة والعودة إلى الكيان الأولي من خلال اللاعمل، مُحيلاً الجسد إلى طبيعته الفطرية، معانقاً روحه، وبهذه الطريقة يسير عبر عالمه اليوم (7).

 

من الصحيح إذن أن الجلاء يفتح نفسه أمام الإشراق والظلام، وكذلك أمام الصوت والصمت، لكنه ليس هو ما يقوم بالجلاء أو الفسح أو التحرير. فقط “التاو” عبر قدرته التوليدية لديه الطاقة على إنتاج هذه الصفات، وفقط العدم المرتبط به يمكن له أن يسهل تحقيقها. سبب هذا، أن العدم، كما يفهمه فلاسفة التاوية، ليس مجرد نفي الحضور أو الافتقاد إلى الحضور، بل هو الجوهر الكوزمولوجي الذي يتألف منه الواقع، وهو الحيز الكامل الذي يوجد التاو من خلاله وتتم تجربته فيه. وهكذا فإن جلاء هايدغر ليس أكثر من السطوع الذي يعبئ فراغه، أما الطاو، فلأنه ليس لديه أي طبيعة «شيئية»، فإن طاقته الخلاقة تتفجر من خلال العدم بطريقة لا تشبه النهلستية (العدمية) في شيء، ولهذا فلطالما جرت الإشارة إلى الفلسفة التاوية بأنها ميونطولوجية. – أي الدراسة الفلسفية للعدم.

 

إذا ما أخذنا صفات العدم المذكورة أعلاه وطبقناها على الجلاء، فإن الجلاء يلعب دورين مترابطين ولكن متمايزين:

 

على مستوى الموجودات، حيث يقوم بتجويفها ليتيح المجال أمام دفق الحياة الخلاق ليحصل فيها؛ وعلى مستوى الوجود فإنه يجلو الوجود نفسه بحيث يشرق تجذره في العدم. بكلمات أخرى: يستمر الجلاء دون مانع من الوجود أو حد منه، ولكن انكشافه لا ينبع من حالة سابقة من إخفائه لذاته بل من خلال كونه متحداً مع التاو.

 

العدم بمفهومه التاوي هو خالقية الحياة في أقصى صورها، وهو وسيلة الإمكانيات المصبوغة بدهشة التاو التي تقع في جوهر كل موجود كان ثم لم يعد كائناً، أو هو كائن الآن، أو سيكون لاحقاً. إن شموليتها هي اكتمالها، ومن خلال هذا الاكتمال يدع التاو الأشياء تكون كما في استعدادها الطبيعي أن تكون؛ ولهذا أمكن القول إن القفزة إلى هاوية العدم ليست قفزة من هذه الذات إلى ذات أخرى، بل هي عودة باطنية إلى السكون البسيط الفارغ المتجرد الذي يميز الأشياء التي تتناغم مع الطاو(8). وهكذا يتم تجاوز «حدث الوجود» في الجلاء من خلال «لا حدث» التاو؛ وهو «لا حدث» لأن التاو يعمل كالمحور لجميع التحولات، وفي الوقت ذاته يعمل كأساس حقيقتها في حال كونه دون أساس سابق له.

 

وعلى الإجمال فإن التاوية تجعل العدم كالموئل الذي يحقق فيه التاو خلاقيته، ومن خلال ذلك تنسب إليه صفات تفتقد إلى الوجود تماماً للتأكد من أن رفعته ستظل أبعد من تطفل أيدي الإنسانية. أما بالنسبة إلى حكيمي الصين لاوتسو وتشوانغتسي فليس الجلاء “زوال خفاء” بل انكشاف أن الوجود متحد دائماً مع العدم في دورة التولد وإعادة التولد والبروز والكمون. لذلك يشير الجلاء إلى موقع حريتنا الكوزمولوجية التي تسهل انجلاء جوهر الحقيقة نفسها، وهي حقيقة ترتبط من دون ريب مع تعايش التاو مع العدم واستخدامه له.

 

يتحدث هنري كوربان في كتابه “الخيال الخلاَّق عند ابن عربي” عن الوحدة الصوفية باعتبارها وحدة تفاعلية بين الله والعالم، وكذلك داخل الاختلاف في هذا العالم. يقول في هذا مقتبساً من الشيخ الأكبر إن كل مخلوق هو مظهر أو مجلى للوجود الإلهي الذي يتجلى فيه متلبساً باسم أو عدة أسماء من الأسماء الإلهية. والعالم هو مجموع الأسماء الإلهية التي يتسمى بها حين نسميه من خلالها. فكلاسم متجلٍ من أسمائه هو رب الموجود الذي يظهره (أي الذي هو مظهره). فكل موجود هو مظهر الرب الخاص، أي أنه لا يظهر الحق إلا مخصوصاً ومفرداً في هذا الاسم. فلا موجود محدد ومفرد يمكنه أن يكون مظهر الألوهة في كلِّيتها، أي في مجموع أسمائها الحسنى أو مجموع “الأرباب”. لهذا يقول ابن عربي: “وكل موجود فما له من الله إلا ربه خاصة، ويستحيل أن يكون له الكل.

 

وهنا يجد المكان الإلهي مركزيته في روحانية مدرسة ابن عربي، أي سر الربوبية. الشيء الذي تكشفه لنا عبارة للعارف الكبير سهل التستري:”إن للربوبية سراً” وهو أنت، لو ظهر لبطلت الربوبية. هذا في العمق ما يذهب إليه ابن عربي لما تكلم عن الخفاء كسرٍّ من أسرار الربوبية في عالم الخلق. إننا نجد في كلام كهذا إحالة ضمنية لظاهرة الحب الأزلي الذي يشير إليه الحديث القدسي “كنت كنزاً فحببت أن أعرف فخلقت الخلق فعرفوني”…

 

بين التجلِّي كحاصل عرفاني لفلسفة وحدة الوجود عند ابن عربي، والجلاء كحاصل لعناق حميم بين الوجود والعدم عند لاوتسو، تنعقد مقامات الوصل في عالم الكثرة، ليصير الوجود كله نفساً واحدة لتجلِّي الواجد الأعظم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – انظر فراس السواح – موسوعة تاريخ الأديان – الكتاب الرابع – دار علاء الدين / دمشق 2006.

2 ـ انظر: Thomas Prufer،”Glosses on Heidegger’s Architectonic WordPlay: Lichtung and Ereignis،Bergung and Wahrnis,” The Review of Metaphysics 44،no. 3 (March 1991): 607–12.

3 ـ حيث قال: «إن قولنا أن الوجود «يشرق» يعني أنه ينجلي في ذاته على أنه الكينونة في العالم. ليس هذا من خلال وجود آخر، بل إنه هو نفسه هذا الجلاء. فقط في كينونة تنجلي وجودياً بهذا الشكل يمكن للأشياء الحاضرة موضوعياً أن تصبح في متناول الإدراك في النور أو أن تستتر عنه في الظلام». اُنظر:

Martin Heidegger ،Being and Time: A Translation of Sein und Zeit،trans. Joan Stambaugh (Albany: SUNY Press،1996)،125

4 – Martin Heidegger،Heraclitus Seminar،1966/67،trans. Charles Seibert (Alabama: The University of Alabama Press،1979)،161.

5 ـ من الصعب جداً أن نقدم تفسيراً لهذا المصطلح، إِذِ الطاو ليس لا مبدأ ولا عملية، ولكنه أصل جميع المبادئ والعمليات. لا يمكننا أن نعرفه بأنه إلهي، فمع أن جميع الأشياء تأتي منه ومع أنه أبعد عن الزمان والمكان إلا أنه حاضر فيهما ولا يتأثر بالتغيرات التي يمران بها

6 – Wang Bi Jijiao Shi،ed. Lou Yulie،(Beijing: Zhonghua Shuju،1980)،34.

7 ـ المصدر السابق، 438.

8 – إن سبب كونها بسيطة وفارغة وساكنة هو بسبب انعدام الأسماء والصفات في حقها، وهي نعوت تضفيها عليهم الإنسانية ولكنها في الحقيقة أجنبية عن حقيقتها الجوهرية في ذاتها.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد