قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ مرتضى الباشا
عن الكاتب :
الشيخ مرتضى الباشا، من مواليد سيهات في 1395 هـ، التحق بالحوزة العلميّة ودرس على مجموعة من علمائها، له كثير من النّشاطات والمشاركات عبر مواقع الإنترنت، وله العديد من المؤلفات منها: الحبوة في مناسك الحج، أسرار الحج في كلمات العلماء، ذبائح أهل الكتاب (دراسة مقارنة)، فيه آيات بينات، ومذاكرات في التقريب والوحدة (المنهج التقريبي السليم).

معرفة الإنسان في القرآن (8)

قال الله تعالى ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (الروم: 36)، ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ (الشورى: 48).

 

بعض الفوائد من الآيات الكريمة:

 

1- يؤكد القرآن الكريم على نسبة النعمة والرحمة إلى الله تعالى بشكل واضح وصريح، ولم تنسب إصابة السيئة بشكل مباشر إلى الله تعالى، وهو نظير ما ورد في آيات أخرى، كقوله تعالى (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ، أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)، فإرادة الشر بنيت للمجهول في الآية الكريمة، بينما نسب إرادة الرشد بالناس إلى ربّهم عزّ وجلّ.

 

2- أكدّ القرآن الكريم على وجود بعض المصائب والمصاعب والخسائر الدنيوية التي تصيب الإنسان بسبب أعماله، وقد ذكرنا آيتين اثنتين، مضافًا إلى العديد من الآيات التي جمعناها في مقال سابق.

 

3- إن تصيبهم شدة بسبب شؤم معاصيهم، وإهمالهم لشكر الله -تعالى- على نعمه؛ أسرعوا باليأس من رحمة الله، وقنطوا من فرجه، واسودّت الدنيا في وجوههم، شأن الذين لا يعرفون سنن الله -تعالى- في خلقه، والذين يعبدون الله على حرف، فهم عند السراء جاحدون مغرورون، وعند الضراء قانطون يائسون.

 

4-(إذا) الموجودة في قوله تعالى ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ هي (إذا) الفجائية، وهي تدل على المسارعة والمبادرة.

 

5- لاحظ بدقة أنّ القرآن الكريم عبّر عن إذاقة الرحمة بالشرط (إذا)، وعبّر عن إصابة السيئة بالشرط (إن)، وقد شرحنا في مقال سابق الفرق بين (إذا - إن – لو). إذن نزول الرحمة أمر حتمي، لا سيما الرحمة العامة التي تشمل جميع المخلوقات، أما الجزاء على ما قدّمت اليد من سيئات فهو أمر محتمل، ويحتمل أيضًا العفو من الله تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30).

 

قال الله تعالى ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾ (سورة الفجر).

 

الآيات الكريمة تتحدث عن فكرة موجودة عند كثير من البشر، فهم يعتقدون أن معيار الحق والكرامة على الله تعالى هو ما يملك الإنسان من أموال وجاهٍ وأنصار. فمن كان ثريًّا فهو أقرب إلى الله تعالى وأكرم عليه، ومن كان قليل المال فهو أهون على الله، وأبعد منه.

 

وهذه الفكرة ما زالت تطرح في الوقت الراهن، لذا تجد البعض يستعرض حالة التخلّف والفوضى التي تعيشها بعض الدول الإسلامية، ويستعرض حالة التطوّر والتكنولوجيا والنظام التي تعيشها بعض الدول الكافرة، فيستنتج من ذلك أن الإسلام باطل، والكفر حق.

 

حتى فرعون استدل على أحقيته من خلال الثروات الموجودة تحت يده ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51).

 

وفي سورة الكهف ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35)وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)﴾.

 

هنا نلاحظ أن ذلك الرجل يرى أفضليته على صاحبه من خلال كونه أكثر أموالًا وأكثر أنصارًا (الأولاد والخدم)، ومع ذلك فهو يرى أن جنتّه (بستانه وحديقته) لا تفنى، ولا يعتقد بيوم القيامة، وعلى فرض حصول يوم القيامة فإنّه سيجد في ذلك العالم جنّة أفضل من هذه الجنّة الدنيوية.

 

ما هو الدليل الذي استدل به على أفضليته وكرامته على الله تعالى في الدنيا والآخرة؟ (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا).

 

ونجد السيدة زينب (عليها السلام) تخاطب يزيد بن معاوية في مجلسه، فتقول (أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض، وضيّقت علينا آفاق السماء، فأصبحنا لك في أسار، نساق إليك سوقًا في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار، أنّ بنا من الله هوانًا، وعليك منه كرامة وامتنانًا، وأنّ ذلك لعظم خطرك، وجلالة قدرك، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، تضرب أصدريك فرحًا، وتنقض مذرويك مرحًا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور لديك متسقة، وحين صفا لك ملكنا، وخلص لك سلطاننا، فمهلاً مهلاً لا تطش جهلاً، أنسيت قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾) (الاحتجاج 2: 35).

 

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾ (سورة الفجر).

 

1- المراد من الإنسان في الآية هو نوع الإنسان بشكل عام، وليس كل الأفراد.

 

2- الابتلاء هو الامتحان والاختبار. والإنسان في هذه الدنيا يعيش الابتلاء في كل حالاته، فالمريض مبتلى هل يصبر، والسليم مبتلى أين يضع صحته وقوته، والغني مبتلى أين يصرف أمواله، والفقير مبتلى، والعالم والجاهل، وغير ذلك (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ  وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً  وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

 

3- (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) ذكرت الآية الكريمة في مطلعها (إذا ما ابتلاه) فالغنى والصحة والجاه وأمثالها، كلها ابتلاء وامتحان. إلا أن كثيرًا من الناس يعتقد أن هذا النعيم الدنيوي كرامة إلهية له، وتفضيل على الآخرين، فيفعل بها ما يشاء ويطغى ويكثر الفساد.

 

4- المراد من الإكرام والتنعيم في بداية الآية هو الإكرام المادي الدنيوي.

 

والمراد من الإكرام في نهاية الآية أنّ ذلك الإكرام لا ينتهي وبدون شروط، فيرى من حقه أن يفعل بتلك النعم ما يشاء.

 

5- (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)

 

قَدَر عليه = ضيّق وقتّر عليه.

 

إذا ابتلى الله -سبحانه وتعالى- الإنسان بالتضييق عليه في معيشته وحياته، فإنّ الإنسان يرى ذلك هوانًا له على الله وذلّة واستخفافًا، فيكفر ويجزع.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد