مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مصباح يزدي
عن الكاتب :
فيلسوف إسلامي شيعي، ولد في مدينة يزد في إيران عام 1935 م، كان عضو مجلس خبراء القيادة، وهو مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي، له مؤلفات و كتب عدیدة فی الفلسفة الإسلامیة والإلهیات والأخلاق والعقیدة الإسلامیة، توفي في الأول من شهر يناير عام 2021 م.

أعظم شهور الله وعيد أحبابه (1)

“فَنَحْنُ قَائِلُونَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ وَيَا عِيدَ أَوْلِيَائِهِ”. الصحيفة السجادية : دعاء رقم : ( 45 ) .

 

تحليل لوداع الموجودات غير الشاعرة

 

توديع الأصدقاء والأقارب وذوي الحقوق من الآداب الاجتماعيّة السائدة في جميع المجتمعات، والتي أقرّها الدين الإسلاميّ، وعمل بها قادتنا، أي الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام). وإنّ أصل مسألة الوداع وفوائدها، أنّه متى ما أحبّ الإنسان شخصًا، وتقرّر أن لا يراه فترة معيّنة، فإنّ نوعًا خاصًّا من التركيز والانتباه يحصل له تجاهه، ممّا يُفضي إلى ترسيخ العواطف التي يُكنّها له؛ وبالتالي، ستترتّب على هذا الأمر مجموعة من اللوازم العاطفيّة، كالذكر والتبجيل. ولوجود هذه الفوائد والمصالح، فإنّ العقلاء يُؤسّسون تقاليد اجتماعيّة مرتبطة بالوداع، كما أنّ الشعوب والأمم تسعى لمراعاة هذه التقاليد.

 

ومن فوائد الوداع الاعتراف بالجميل أمام الطرف المقابل؛ فمن باب المثال، يُعتبر الوداع أثناء رحيل شخص اشتغل في محلّ معيّن لمدّة من الزمن، أو تربطه علاقة صداقة مع أصحاب ذلك المحلّ، نوعًا من ردّ الجميل لهذا الشخص، وتبجيله، ولهذا السبب، يُؤتى في مقام الوداع بعبارات تدلّ على هذا الأمر، نظير: “لقد تفضّلتم علينا”، “لقد أتعبتم أنفسكم” و”كم كان تواجدكم مفيدًا بالنسبة إلينا!”. وبسبب هذا التبجيل والاعتراف بالجميل، فإنّ الطرف المقابل سيُسرّ، ويُعرب عن شكره، ويُشكّل له ذلك دافعًا لتقديم خدماته إذا سنحت له الفرصة مرّة أخرى.

 

لكن، يبقى أنّ شهر رمضان المبارك ليس موجودًا عاقلًا وشاعرًا حتّى نودّعه، ونقول له: “لقد أتعبت نفسك كثيرًا لأجلنا، ونحن لا نستطيع ردّ جميلك”، فيفرح، بل إنّ وداع هذا الشهر الفضيل هو في الحقيقة نوع آخر من الأمور الاعتباريّة. بيان ذلك: أنّ الإنسان يُسري في بعض الحالات الأمورَ المرتبطة بالعقلاء إلى غير العقلاء، فيضع هنا اعتبارًا جديدًا نوعًا ما، حيث إنّ الحكمة والمصلحة في هكذا اعتبار تتمثّل في أنّ الأصل هو أداء حقّ الموجود الشاعر الذي تتعلّق به الأفعال وشكره، لكنّ المخاطب في الظاهر وفي مقام الحوار موجود غير عاقل.

 

ويبقى أنّ هذا الكلام يصحّ ما لم ننتبه إلى حقيقة أنّ كافّة الموجودات تمتلك شعورًا وإدراكًا بنحو ما، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُمْ‏﴾[1][2]. ولكن حتّى الذين لا يعتقدون بهذه الحقيقة نجدهم يقومون بالعمل ذاته (أي يُسرون الأمور المرتبطة بالعقلاء إلى غير العقلاء).

 

والسرّ في ذلك أنّ وداع الأشياء هو في الحقيقة نوع من الاعتراف بالجميل لصاحب هذه الأشياء أو الأمكنة أو الأزمنة التي استفاد منها الإنسان. ووداع شهر رمضان المبارك يبتني على المسألة ذاتها، فإنّ المخاطب الرئيسيّ في وداع شهر رمضان المبارك هو الله تعالى، أي خالق شهر رمضان، وهادي الإنسان لبركات هذا الشهر الفضيل وتكاليفه، لكن بما أنّ متعلّق التكليف هو شهر رمضان المبارك، وبما أنّ العقلاء قد يعتبرون للأشياء شعورًا وإدراكًا، فيُبرزون محبّتهم تجاهها، فقد جُعل شهر رمضان مخاطبًا هنا. وإلّا فإن صفحة قلب الإمام (عليه السلام) هي في الحقيقة مع الله تعالى، منهمكة بشكره والإطراء عليه.

 

ومن الفوائد الأخرى للوداع أنّه يكون سببًا لتوجّه المودّع إلى الآثار والبركات التي يحظى بها الشخص أو الشيء الذي يُودّعه، وسببًا لسعيه للحفاظ عليها، لأنّ الإنسان لا يعرف قدر النعم الإلهيّة، إلّا إذا انتبه إلى آثارها وبركاتها، وأمّا إذا غفل عنها، فإن الوداع بالنسبة إليه وحزنَ الفراق لا يعني شيئًا. فهذه الآثار تترتّب على الوداع. وما جعل عقلاءُ العالم هذه العادات والتقاليد إلّا لأجل تلك الفوائد والمصالح. ومن هنا، واعتمادًا على هذه الحقائق، يقول الإمام السجّاد (عليه السلام): “يا شهر رمضان، لقد رحلت، لكنّنا بقينا مدينين لك، ومتمسّكين بالميثاق الذي عاهدناك عليه؛ فأنت رحلت، لكنّ حرمتك لا زالت محفوظة، وسنسعى لمراعاتها”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الإسراء، الآية 44.

[2] وقد ورد في الروايات أنّ القرآن الكريم مثلًا يأتي في يوم القيامة على شكل رجل بأبهى صورة، “عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: يَا سَعْدُ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا الْخَلْق” [الكافي، الجزء 2، الصفحة 596]؛ كما توجد روايات أخرى تدلّ على أنّ للعبادات حقيقةً ملكوتيّةً يطّلع عليها المؤمن عند وفاته: “عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: إِذَا دَخَلَ الْمُؤْمِنُ قَبْرَهُ كَانَتِ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِهِ والزَّكَاةُ عَنْ يَسَارِهِ والْبِرُّ مُطِلٌّ عَلَيْهِ ويَتَنَحَّى الصَّبْرُ نَاحِيَةً فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ مُسَاءَلَتَهُ قَالَ الصَّبْرُ لِلصَّلَاةِ والزَّكَاةِ والْبِرِّ دُونَكُمْ صَاحِبَكُمْ فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْهُ فَأَنَا دُونَهُ” [بحار الأنوار، الجزء 68، الصفحة 73]؛ ولهذا، لا يُستبعد أن يكون الإمام (عليه السلام) متوجّهًا في خطابه لشهر رمضان المبارك إلى نفس حقيقته الملكوتيّة الشاعرة.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد