
المسألة:
قوله تعالى:{قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}(1) ما معنى قوله تعالى: {طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} وهل هو إقرار بفاعليُّة التطيُّر؟
الجواب:
الآية المباركة بصدد بيان إحدى الذرائع التي تذرَّع بها قومُ ثمود لتبرير عدم القبول بدعوة نبيِّهم نبيِّ الله صالح (ع) فزعموا أنَّ ما يُصيبهم من الجدب والقحط وبعض الابتلاءات إنَّما نشأت عن شؤم صالح ومن آمن به، فهذا يدلُّ بزعمهم على عدم صدقه وإلا فما هو مُبرِّر ما يُصيبهم من الابتلاءات لولا شؤمه وشؤم مَن تبعه، فقد كانوا في رغدٍ من العيش قبل دعوته!!
فمعنى قوله:{ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} هو أنَّه تشاءمنا بك وبمن تبعك، فالأصل في:{اطَّيَّرْنَا} من التطيُّر فأدغمت التاء في الطاء وجيء بالألف ليُصح الابتداء بها. والمصدر هو الطِّيرة ومنشأ التعبير عن الشؤم بالطِّيرة هو أنَّ العرب كانت تتشاءم بالطير إذا أخذ ذات اليسار وتتشاءم بمثل نعيق الغراب وبعض الطيور، لذلك تعارف إطلاق الطِّيرة والطائر والتطيُّر وإرادة التشاؤم.
والتشاؤم هو إيعاز وقوع الشرور والآفات لأشياء لمجرَّد اتِّفاق تقارن وقوع هذه الشرور بهذه الأشياء، فلأنَّه اتَّفق مثلاً نشوب حريقٍ في اليوم الذي نعق فيه غراب صاروا يتشاءمون كلَّما سمعوا غراباً ينعق، فإذا وقع شرٌّ في ذلك اليوم قالوا إنَّ ذلك مسبَّبٌ عن نعيق الغراب.
ومن ذلك يتَّضح معنى قوله تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} أي أنَّهم زعموا أنَّ ما أصابهم من قحطٍ وجدبٍ وآفاتٍ مسبَّبٌ عن نبيِّ الله صالح (ع) ومَن معه ووجوده بينهم، وذلك لأنَّ إصابتهم بهذه الشرور اقترن بما صار يدعوهم إليه، فقبل دعوته فيهم كانوا في عافيةٍ من هذه الشرور، وهذا ما يدلُّ بزعمِهم على بطلان دعوته، إذ لو كان ما يدعوهم إليه حقَّاً لما كان أثرُه الابتلاءَ بهذه الشرور والآفات، فهم بذلك يتذرَّعون لتبرير جُحودهم بدعوة نبيِّهم (ع).
فقوله تعالى: {قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} جواب نبيِّ الله صالح (ع) في مقام التفنيد لمزاعمِهم، فأفاد أنَّ ما يُصيبكم هو ما يقدِّره الله تعالى عليكم، فكلُّ ما يقعُ عليكم ممَّا تحبُّونه أو تكرهونه إنَّما هو من عند الله، فبيده الأمرُ كلُّه، فليس لدعوتي لكم ووجودي بينكم صلةٌ بما يُصيبكم، فلا معنى للاعتذار عن جحودكم بالآفات التي قد أصابتكم فإنَّ هذه الآفات مُسبَّبة عن تقدير الله تعالى ومشيئته.
فمعنى: {طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} هو أنَّ الشرور التي أصابتكم والتي تُسمُّونها شؤماً هي في الواقع من عند الله جلَّ وعلا، فمعنى "طائركم" هو حظكم ونصيبكم من الشرور والآفات، فالتعبير عن حظهم ونصيبهم من الشرور بالطائر والشؤم من باب المشاكلة، فلأنَّهم يتشاءمون من الشرور والآفات ويُسمونها بالطِّيرة والطائر لذلك سمَّاها بما يسمُّونها ثم بيَّن السبب الواقعي لحدوثها، فأفاد أنَّ السبب الواقعي لحدوث الآفات هو قضاء الله وتقديره وليس كما يتوهَّمون. ثم ترقَّى في البيان لسبب ما يُصيبهم من آفات فقال: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} أي أنَّ الغاية مما يقع عليكم من آفاتٍ من قِبل الله تعالى هو امتحانكم وتمحيصكم أو أنَّ سبب ما يُصيبكم من آفات هو عصيانكم وتمرُّدكم على الله تعالى، فقوله: {تُفْتَنُونَ} بمعنى تُعاقبون فالشرور التي تُصيبكم إنَّما هي عقوبةٌ من الله عليكم لطغيانكم وجحودكم.
فليس في الآية إقرار بفاعليَّة التطيُّر بل هي واضحة في إفادة أنَّ التطيُّر والتشاؤم لا واقعيَّة له، وأنَّه لا يعدو الوهم، وأنَّ ما يصيب الإنسان من الآفات إنَّما هو من عند الله تعالى وأنَّ غايته التمحيص أو العقوبة.
هذا وقد أخبر اللهُ تعالى عن آل فرعون وزعمهم أنَّ ما يُصيبهم من قحط وجدبٍ ونقص في الثمرات إنَّما ينشأ عن وجود موسى (ع) ومن معه بينهم فكانوا يتشاءمون من وجودهم بينهم وينسبون وقوع الآفات إلى وجودهم بينهم، فتصدَّى القرآن المجيد لتفنيد مزاعمهم، وأفاد أنَّ كلَّ ما يُصيبهم من سعة أو ضيق ومن نفع أو آفات إنَّما هو من تقدير الله تعالى ولكنَّهم قوم لا يعلمون، فينسبون الأشياء إلى غير أسبابها الواقعيَّة، يقول الله تعالى في سورة الأعراف: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ / فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}(2)
فمفاد الآيتين أنَّ ما يُصيب آل فرعون إنَّما هو من عند الله تعالى، والغاية منه هو بعثهم على التذكُّر والاتعاظ، فالشرور التي تلحقهم والتي يتطيرون منها ويسمُّونها شؤماً هي من عند الله ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون، فيسندون الأشياء إلى غير أسبابها لجهلهم. فقوله: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} معناه أنَّ ما يتطيرون به ويتشاءمون منه ويُسندونه إلى غير سببِه هو في الواقع محكوم بتقدير الله وفعله {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة النمل: 47.
2- سورة الأعراف: 130، 131.
أعظم شهور الله وعيد أحبابه (2)
الشيخ محمد مصباح يزدي
العلم العائد الى وحيه (3)
محمود حيدر
معنى قوله تعالى: {طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ}
الشيخ محمد صنقور
غرف من فوقها غرف
الشيخ مرتضى الباشا
أساليب للوالدين لمساعدة أطفالهم على السيطرة على انفعالاتهم وتنظيمها
عدنان الحاجي
ما الفرق بين الرحمانية والرحيمية؟
السيد عادل العلوي
في معنى مرض القلب وسلامته وتفاقمه وعلاجه
السيد محمد حسين الطبطبائي
القوّة الحقيقيّة للإيمان
السيد عباس نور الدين
معنى سلام ليلة القدر
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (نكل) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
أعظم شهور الله وعيد أحبابه (2)
العلم العائد الى وحيه (3)
(الكوثر وما يسطرون) كتّاب نقديّ حول تجارب عدد من شعراء منتدى الكوثر الأدبيّ في القطيف
ينبوع الوحدة
معنى قوله تعالى: {طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ}
غرف من فوقها غرف
شرح دعاء اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان
أساليب للوالدين لمساعدة أطفالهم على السيطرة على انفعالاتهم وتنظيمها
العلم العائد الى وحيه (2)
أعظم شهور الله وعيد أحبابه (1)