قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

{يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا}

المسألة:

 

قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(1) كيف يُعذَّب الإنسان على مجرَّد حبِّه لمدح الآخرين له ؟ ولمجرَّد فرحه بأفعاله؟

 

الجواب:

 

ليس المراد من الآية المباركة هو ما استظهرتَه منها فالإنسان لا يُعذَّب يوم القيامة على مجرَّد ابتهاجه بأفعاله الصالحة كما أنَّه لا يُعذَّب على مجرَّد حبِّه للمدح والإطراء وإنْ كان ذلك لا يحسنُ من المؤمن ولكنَّه لا يُعذَب على مجرَّد الحبِّ للثناء والإطراء.

 

فمفاد الآية المباركة هو التهديد والوعيد لمَن يعملون السيئات والقبيح من الأفعال ثم لا يندمون على فعلها بل يفرحون بما يأتون به من سيء الأعمال ويطمحون في ذات الوقت أنْ يمتدحهم الناس وأن يصفوهم بالاستقامة والصلاح وحسن السيرة. فهؤلاء -ظاهراً- هم من عنتهم الآيةُ المباركة وتوعَّدتهم بالعذاب الأليم.

 

علماء اليهود والنصارى أجلى مصاديق الآية:

 

فالمعنيُّون من الآية المباركة – كما يظهر من سياقها- هم علماء أهل الكتاب من اليهود والنصاري الذين يكتمون الحقَّ ويُخفون على أتباعهم وسائر الناس ما يجدونه في كتبهم من البيِّنات الواضحة على صدق النبيِّ الكريم (ص) وحقَّانية دعوته ثم يفرحون بما أتوا به من الكتمان والتضليل لضعفة الناس ويفرحون أنَّ ما يمارسونه من تضليل قد انطلى على ضعفة الناس وبسطائهم، ويطمحون في ذات الوقت في أنْ يصفهم الناس بالصلاح والاستقامة والصدق.

 

فالآية التي سبقت قوله: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ..} هي قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} (2)

 

فالمقصودون – بمقتضى سياق الآية- من قوله: {الَّذِينَ يَفْرَحُونَ} هم علماء أهل الكتاب فهم المنتظَر منهم التبيين والتعريف للناس بما ورد في كتب أنبيائهم وهم الذين أخذ اللهُ عليهم الميثاق بالتبيين لكنَّهم لم يفوا بعهد الله وميثاقه فكتموا علمهم ونبذوا الحقَّ وراء ظهورهم، فهذا هو ما أتوا به وفرحوا بالإتيان به، فمعنى قوله تعالى: {يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} هو أنَّه يفرحون ويغتبطون بالكتمان للحقِّ والنبذ له وراء ظهورهم.

 

ويؤيد ذلك ما قيل في سبب نزول الآية من أنَّها نزلت في قومٍ من أحبار اليهود كانوا يفرحون بإضلالهم الناس، ونسبة الناس إياهم إلى العلم"(3)

 

وسئل ابنُ عباس فقيل له: لئن كان كل امرئٍ فرحَ بما أوتى وأحبَّ أن يحمد بما لم يفعل معذَّباً لنُعذبنَّ أجمعون فقال ابنُ عباس: وما لكم ولهذه إنَّما دعا النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يهود فسألهم عن شيءٍ فكتموه إيَّاه وأخبروه بغيره فأروه أنْ قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ثم قرأ ابنُ عباس: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } كذلك حتى قوله: {.. يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} "(4)

 

والمتحصَّل أنَّ مفاد الآية – بمقتضى سياقها- هو الوعيد بالعذاب الأليم لأحبار اليهود الذين يكتمون ما يعلمونه من الحقِّ ويُحرِّفون الكتاب الذي أُنزل إليهم أو يفسِّرونه بما يتناسب وأهواءهم، ويفرحون بما يأتون به من تضليل وتلبيس وكذب، وأنَّه قد انطلى على ضعفة الناس وأغمارهم ويطمحون في ذات الوقت بأن يمدحوا بالعلم والصدق والاستقامة على ما جاء من عند الله تعالى.

 

انطباق الآية على المنافقين:

 

وكذلك فإنَّ الآية تنطبقُ على المنافقين الذين يُضمرون الكفر ويُمارسون الإرجاف بين المؤمنين والتثبيط لهم، ويتخلَّفون عن الجهاد، ويعتذرون عن ذلك بأعذارٍ كاذبة، فهم يفرحون بما هم عليه من النفاق والتخلُّف عن الجهاد حرصاً على السلامة وبما يأتون به من الإرجاف والتثبيط ومن الأعذار الكاذبة، ويحبون في ذات الوقت أنْ يمتدحهم الناس بالإيمان والصلاح والاستقامة، فالآية تتوعَّد هؤلاء بالعذاب الأليم .

 

ويؤيد انطباق الآية على المنافقين ما ورد عن أبي سعيد الخدري -في سبب نزولها- قال: إنَّ رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغزو تخلَّفوا عنه وفرحوا بمقعدِهم خلاف رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فإذا قدِم رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبُّوا أنْ يُحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا}(5)

 

ورُوي عن بعضهم في قوله: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} قال: هؤلاءِ المنافقون يقولون للنبيِّ (ص): لو قد خرجت لخرجنا معك، فإذا خرج النبيُّ (ص) تخلَّفوا وكذبوا، ويفرحون بذلك، ويرونَ أنَّها حيلةٌ احتالوا بها"(6).

 

من مصاديق الآية المباركة:

 

وكذلك فإنَّ الآية المباركة تشملُ بإطلاقها الذين يجترحون السيئات في السرِّ وُيمارسون الأفعال القبيحة ويبتهجون بها ويفرحون في أنفسهم بأنْ أُتيح لهم اقترافها، ولا يندمون على اجتراحها ثم أنَّهم يُحبُّون أنْ يمتدحهم الناس بالعفاف والاستقامة، وكذلك تشمل الآية الذين يستولون على أموال الناس بمثل المكر والخديعة والاحتيال والغش ويفرحون بالاستيلاء على أموال الناس بغير وجه حقٍّ وتمكُّنِهم من خداعهم من غير أنْ يتفطَّنوا لهم، ويعدُّوا ذلك من البراعة وحُسنِ التدبير، ثم أنَّهم في ذات الوقت يطمحون من أنْ يصفهم الناس بالعفاف والاستقامة، فهؤلاء وإنْ حسبهم الناس صالحين ومن أهل النجاة إلا أنَّهم لن يكونوا بمفازةٍ أي بمنجاةٍ من العذاب بل لهم عذابٌ أليمٌ ينتظرُهم يوم الحساب.

 

وكذلك تشمل الآية المباركة ذوي الخصال المقيتة كالتعدِّي على الحقوق والظلم والبخل والتطاول والتبختر والتفاخر والاستعلاء والاستهانة والتوهين لعباد الله والسخرية منهم والتهكم بهم ويفرحون فيما بينهم وبين أنفسهم بمثل هذه الخصال المشينة ويتبجَّحون بها في محافلهم، ويتوقعون في ذات الوقت أنْ يمتدحهم الناس بالوجاهة وسائر محامد الصفات. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- سورة آل عمران: 188.

2- سورة آل عمران: 187.

3-تفسير مجمع البيان - الطبرسي- ج2/ 469، جامع البيان – الطبري- ج4/ 272.

4-صحيح البخاري- البخاري- ج5/ 174.

5-صحيح البخاري- البخاري- ج5/ 174.جامع البيان – الطبري- ج4/ 272.

6-جامع البيان – الطبري- ج4/ 272.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد