
مصبا - كذب يكذب كذبًا، ويجوز التخفيف بكسر الكاف وسكون الذال. فالكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء فيه العمد والخطأ، ولا واسطة بين الصدق والكذب، والإثم يتبع العمد، وأكذب نفسه وكذّبها: اعترف بأنه كذب، وأكذبت زيدًا: وجدته كاذبًا، وكذّبته تكذيبًا: نسبته إلى الكذب.
لسا - الكذب: نقيض الصدق، كذب يكذب كذبًا وكِذًبا وكذبة وكذبة وكذابًا وكذّابا. ورجل كاذب وكذّاب وتكذاب وكذوب وكذوبة وكذبة وكذبان وكيذبان. والكذّب جمع كاذب. والكذب جمع كذوب، وكذب الرجل: أخبر بالكذب.
الكسائي: أهل اليمن يجعلون مصدر فعّلت: فعّالاً، وغيرهم من العرب تفعيلاً. قال الجوهري: كذّابًا، أحد مصادر المشدّد. لأنّ مصدره قد يجيء على التفعيل، وعلى فعّال، وعلى تفعلة مثل توصية، وعلى مفعّل، مثل ومزّقناهم كل ممزّق، وتكذّب فلان: إذا تكلّف الكذب.
التحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الصدق، فهو ما يخالف الواقعيّة والحقّ، كما أنّ الصدق هو ما يكون على حقّ وعلى واقعيّة. وهذا إمّا في قول أو في عمل أو في أمر خارجي أو معنوي، والجامع عدم كون الأمر على واقعية وحقّ.
فالكذب في القول: كما في: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران : 75]. {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف : 5] وفي العمل: كما في: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [العلق : 15، 16] أي شخص وجوده وعمله كاذب وعلى خلاف الواقعيّة.
وفي موضوع خارجي: كما في: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف : 18] وفي أمر روحاني: كما في: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم : 11] وفي مطلق الكذب: كما في: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت : 3]. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3] ولا يخفى أنّ الكذب مبدأ كلّ انحراف وضلال، فإنّ الكذب في أيّ موضوع كان هو في قبال الحقّ والواقعيّة، فالكاذب هو المحروم عن درك الحقّ والحقيقة، في اعتقاده أو في عمله أو في قوله أو مطلقًا، ومن كان كذلك فهو محروم عن بلوغ النتيجة والمقصود، وهو في ضلال دائمًا.
كما أنّ الصدق هو البرنامج التامّ لتحصيل المطلوب بالضرورة. ولا واسطة بين الصدق والكذب، كما أنّه لا واسطة بين الحقّ والباطل.
والكذب كما في الصدق يستعمل لازمًا إذا كان النظر إلى نفس صفة الكذب من حيث هو، فيقال: هو كاذب. ومتعدّيًا إلى مفعول واحد إذا كان النظر إلى من يخاطب أو من يتعلّق الفعل إليه، فيقال: كذبه، وكذبتك . {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة : 90] ومتعدّيًاإالى مفعولين: إذا كان النظر إلى من يتعلّق الفعل إليه ويتعلّق به، فيقال: كذبته الحديث. {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم : 11] والمفعول الأوّل محذوف لعدم الحاجة إليه، أي أحدًا أو نفسه.
وإذا استعمل متعدّيًا بحرف على، كما في: {كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} [الزمر: 32].... {كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الأنعام : 24].... {كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} [هود : 18].... {كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ} [الزمر: 60] يدلّ على وقوع الكذب فيما يرتبط بالموضوع وفي رابطته.
والظاهر أنّ المفعولين محذوفان في ذلك المورد بقرينة كلمة على ومدخولها، والتقدير- كذب فلانًا الأمر المعيّن في رابطة اللّٰه، وهذا النوع من الحذف شايع في المكالمات - وحذف ما يعلم جائز.
وليعلم أنّ الكذب من أبين مصاديق الظلم فانّه مجاهدة وعمل في قبال الواقعيّة والحقّ ونشر للباطل، ومن الكذب الفاحش بل أفحش الكذب ما يكون مرتبطًا باللّٰه وفي رابطته.
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} [الزمر: 32]. {يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60]. {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة : 1، 2] يراد القول على خلاف تلك الوقعة التي لها واقعيّة وحقيقة، والإنكار غير الكذب. والمراد القيامة الكبرى بقرينة تفسيرها بعد - إذا رجّت الأرض... الآية.
فإنّ الكذب فرع تعقّل الموضوع، ولا سبيل لأحد أن يفهم حقيقة القيامة زمانًا ومكانًا وكيفًا وبسائر الخصوصيّات، حتّى يقول ما يخالفها.
وهذا كقوله تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود : 65] أي لا يستطيع أحد أن يكذب فيه، إلّا من له ارتباط واطّلاع من عالم الغيب، وهذا خبر ووعد من عالم الغيب.
وهذا المعنى لطف التعبير في الموردين بصيغة المجرّد: فإنّ التكذيب هو إنكار، والإنكار هو دعوى عدم صحّة في موضوع، وهو يتمشّى من كلّ أحد وفي كلّ أمر، حقًّا أو باطلاً، وهو أمر عدمي، والكذب أمر وجودي.
والتكذيب من شؤون من يتهاون في أموره ويدهن في جريان حياته، وهو عدّة للمنحرفين الضالّين، ورزق لهم به يتقوّون وبه يديمون جريان برنامج خلافهم، وهو أسهل شيء وأهونه في مقام الخلاف، قال تعالى: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة : 81، 82] وبهذا يظهر معنى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف : 109، 110] أي إلى أن استيأس المرسلون عن هداية الناس وعن سوقهم إلى الحقّ، وظنّوا أنّ قومهم قد كذبوهم في أقوالهم، وأنّ إسلامهم وبيعتهم لهم ليس بصدق، وهم كاذبون، فيئسوا عن نتيجة الدعوة.
وأمّا التكذيب: فهو جعل شخص كاذبًا، قال تعالى: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} [التين : 7] أي فما الّذى يوجب جعلك كاذبًا بالدي ، والدين هو الخضوع والانقياد قبال مقرّرات، فالدين حقيقة وأمر فطريّ إذا كانت الفطرة سليمة، فإنّها تنقاد قبال برنامج مقرّر صحيح.
وقال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام : 33] أي إنّ منتهى نظرهم ومقصدهم هو جحود آيات اللّٰه، وليس منظورهم من تكذيبك إلّا هذا المعنى، فهم يبارزونك من جهة دعوتهم إلى الدين وإلى آيات اللّٰه تعالى، وليس لهم عداوة مخصوصة لك ذاتًا.
وقال تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن : 13]. وقد ذكرت الآية في سورة الرحمن في 31 موردًا ، كلّ منها في قبال إكمال عطوفة ورحمة. أمّا ألى، فإنّه بمعنى البلوغ وظهور القدرة وإبلاغ العطوفة، وهو أعمّ من كونه في موضوع مادّيّ أو معنويّ أو في نظم أو في إجراء عدل أو غيرها، فلازم لنا أن نتوجّه إلى كلّ من هذه الآلاء البالغة من جانب اللّٰه المتعال المؤثّرة في حياة الإنسان وسعادته ونظم أموره ظاهرًا وباطنًا.
وصيغة التثنية فيها: باعتبار الجنّ والإنس، والأنام كلّ ذي عقل ساكن في الأرض من إنس أو جنّ، وهذه الآلاء يستفيد منها الثقلان، وقد يذكر بعضها نوعين، بمناسبة اقتضاء وجودهما، وكون حياتهما وجريان عيشهما مختلفين ذاتًا وحالًا وحاجة ومحيطًا وجزاء ونعمة، فإنّ الجنّ من مادّة ألطف من الجسدانيّة، وهو من الملكوت السفلي.
{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ } [الرحمن : 17] ... {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ } [الفرقان : 53]... {أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} [الرحمن : 31]... {مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الأنعام : 130] ... {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا} [الرحمن : 35]... {عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن : 39]... {جَنَّتَانِ} [سبأ : 15]... {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} [الرحمن: 48]... {عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} [الرحمن : 50]... {مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} [الرحمن : 52]... إلى آخر السورة.
وأمّا قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] أي لكاذبون في شهادتهم ، لا في قولهم - إنّك لرسول اللّٰه، كما يقال ويبحث عنه في التفاسير.
______________________________
- مصبا = مصباح المنير للفيومي ، طبع مصر 1313 هـ .
- لسا = لسان العرب لابن منظور ، 15 مجلداً ، طبع بيروت 1376 هـ .
الشهادة والصدق
الأستاذ عبد الوهاب حسين
استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الطلاب ومعلميهم أصبح سلاحََا ذا حدّين
عدنان الحاجي
العارف والصّوفي
الشيخ محمد هادي معرفة
معنى (كذب) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
الشيخ محمد صنقور
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
الشيخ شفيق جرادي
مضاعفة العذاب
الشيخ مرتضى الباشا
لزوم ذكر الله وجلاء القلوب
السيد محمد حسين الطهراني
الإيقاظ والتّنبيه في القرآن الكريم
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
حين نعيش لأجل الماضي.. كيف نفقد معنى الحياة؟
السيد عباس نور الدين
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
بين احتمال ومحض تجريد
محمد أبو عبدالله
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
الشهادة والصدق
استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الطلاب ومعلميهم أصبح سلاحََا ذا حدّين
العارف والصّوفي
معنى (كذب) في القرآن الكريم
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (1)
الشهادة طريق المجد والرضوان
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
نشاط الدماغ وراء السلوك الجماعي وتماسكنا مع بعضنا
مضاعفة العذاب