
لم يثبت أنَّه (ص) امتهن رعي الأغنام:
لم يصح في شيء ممَّا ورد عن أهل البيت (ع) أنَّ النبيَّ الكريم (ص) قد اشتغل أجيرًا لأحدٍ في رعي الأغنام، نعم ورد ذلك في طرق العامَّة كما في صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "ما بعث اللهُ نبيًّا إلا رَعى الغنم، فقال أصحابُه: وأنت؟ فقال: نعم، كنتُ أرعاها على قراريط لأهل مكة"([1]).
هذا وقد اختلفوا فيما هو المراد من قوله: "على قراريط" هل قصد من ذلك بيان مقدار الأجرة أو أنَّه قصَدَ الإشارة إلى المكان الذي كان يرعى فيه الغنم وأنَّ اسمه قراريط، وعلى أيِّ تقدير فإنَّ قوله: "لأهل مكة" ظاهرٌ في أنَّه كان يُؤجِّر نفسه لرعي أغنام أهل مكَّة.
وهذا الذي ننفيه ونقول إنَّه لم يصح عن أهل البيت (ع)، ويؤكِّده ما رُوي عن عمَّار بن ياسر والذي كان تِرْبًا لرسول (ص)([2]) وكان معه في مكَّة قال -كما في تاريخ اليعقوبي-: "ولا كان - أي النبي (ص)- أجيرًا لأحدٍ قط"([3]).
هذا مضافًا إلى أنَّ الاعتبار الاجتماعي وكون النبيَّ (ص) من أشراف قريش بل هو من أعلاهم نسبًا وحسبًا وأنَّه ابنُ عبد المطَّلب سيِّد قريش وابن أخي أبي طالب شيخ البطحاء يُعزِّز ما أُثِرَ عن عمَّار بن ياسر من النفي المؤكَّد لصيرورة النبيِّ (ص) أجيرًا لأحدٍ يومًا ما.
كان يرعى ما يملكه من أغنام:
نعم ورد في بعض الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) أنَّ النبيَّ الكريم (ص) قد اشتغل برعي الأغنام، وهي رواية عقبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "ما بَعثَ اللهُ نبيًا قط حتى يسترعيه الغنم، يُعلِّمه بذلك رعية الناس"([4]).
وكذلك أورد الشيخ الصدوق بسنده عن محمد بن عطية قال: سمعتُ أبا عبد الله (ع) يقول: إنَّ الله عزَّ وجل أحبَّ لأنبيائه (عليهم السلام) من الأعمال الحرث والرعي، لئلا يكرهوا شيئًا من قطر السماء"([5]).
وأورد الراوندي عن الشيخ الصدوق عن أبي سلمه أنَّ جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنَّا عند رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) بمُرِّ الظهران نرعى الكباش وأنَّ رسول الله قال: عليكم بالأسود منه فإنَّه أطيبه، قالوا: نرعى الغنم؟ قال: نعم، وهل نبيٌّ إلا رعاها"([6]).
فهذه الروايات وإنْ كانت ظاهرة في أنَّ النبيَّ الكريم (ص) قد اشتغل برعي الأغنام، ولكنَّها لا تدلُّ على أنَّه كان يرعاها لغيره، فالنبيُّ (ص) كأبناء عصره كان يملكُ أغنامًا، فكان يذهبُ بها للمرعى وربما ساقَ معها بعض غُنيمات أهلِه إحسانًا منه إليهم، وهذا هو معنى اشتغاله برعي الأغنام، لا أنَّ الرعي كان مهنةً له، وأنَّه كان يؤجِّرُ نفسَه لرعي أغنام الناس كما تدَّعيه بعضُ روايات العامَّة.
ولعلَّ ممَّا يؤيدُ ذلك ما أورده الراوندي عن الصدوق بسنده عن سيف بن حاتم عن رجل من ولد عمار عن آبائه قال: قال عمَّار رضي الله عنه: "كنتُ أرعى غُنيمة أهلي، وكان محمَّدٌ صلَّى الله عليه وآله وسلم يرعى أيضًا، فقلتُ: يا محمد هل لك في فخ (فج)؟ فإنِّي تركتُها روضة برق، قال: نعم فجئتُها مِن الغد وقد سبقني محمدٌ صلَّى الله عليه وآله وسلم وهو قائم يذودُ غنمَه عن الروضة، قال: إنِّي كنتُ واعدتُك فكرهتُ أنْ أرعى قبلك"([7]).
فقول عمَّار: "كنتُ أرعى غُنيمة أهلي، وكان محمدٌ (ص) يرعى أيضا" معناه ظاهرًا أنَّ النبيَّ (ص) كان يرعى أيضًا غنيمة أهله فلم يكن أجيرًا عند أحد.
لم يكن أجيراً عند خديجة بل كان مضارباً:
وأمَّا ما يُقال إنَّه (ص) عمل أجيرًا عند السيِّدة خديجة (ع) قبل زواجه منها فهذا أيضًا لم يصح، فما ثبت في السيرة هو أنَّه تاجرَ بأموال خديجة (رضوان الله عليها) بمعنى أنَّه كان مضارِبًا ولم يكن أجيرًا ومعنى المضاربة، هي أنْ يُتاجر أحدُ الطرفين بأموال الآخر ويكون الربحُ بينهما بالنسبة المتوافَق عليها بينهما.
ويُؤكِّد ذلك ما أُثر عن عمَّار بن ياسر (رضوان الله عليه) ينفي ما زعمه الناس من أنَّ النبيَّ (ص) كان أجيرًا عند السيِّدة خديجة (رضوان الله عليها) قال: "وإنَّه ما كان ممَّا يقول الناس أنَّها استأجرتْه بشيء، ولا كان أجيرًا لأحدٍ قط"([8]).
وهذا هو المستفاد ممَّا رواه ابنُ إسحاق -كما في تاريخ الطبري وغيره- قال: ".. فلمَّا بلغها -خديجة- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بلغها من صدقِ حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه بعثتْ إليه فعرضتْ عليه أنْ يخرج في مالها إلى الشام تاجرًا وتُعطيه أفضلَ ما كانت تُعطي غيره من التُّجار مع غلامٍ لها يُقال له ميسرة، فقبله منها رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فخرجَ في مالِها ذلك"([9]).
والمتحصَّل ممَّا ذكرناه أنَّه لم يصح أنَّ النبيَّ (ص) كان يمتهنُ رعي الأغنام في مقتبل عمره الشريف، نعم كانت له أغنام وبعض الإبل ورثها من أبيه فكان يرعاها ويسوسها كما يسوسُ الرجلُ دوابَّه وأملاكه، وكذلك فإنَّه لم يعمل أجيرًا عند أحد، وما رُوي من خروجه إلى الشام بأموال خديجة (رضوان الله عليها) فإنَّ ذلك وإنْ صحَّ إلا أنَّه لم يصح أنَّه كان أجيرًا عندها بل كان مضاربًا ومتاجرًا بأموالها، فكان له نسبةٌ من الربح ولها نسبةٌ منه، ولو اتَّفق عدم الربح فمقتضى عقد المضاربة أنْ لا يكون على صاحب المال شيءٌ للمُضارٍب، وعلى خلاف ذلك تكون الإجارة، فإن الأجير يستحقُّ الأجرة على المؤجِّر مطلقًا سواءً حصل الربحُ أو لم يحصل بل حتى لو خسِرَ المؤجِّر فإنَّ الأجير يكون مستحقًّا للأجرة على المؤجِّر.
ــــــــــــــــــــــــــ
[1]- صحيح البخاري -البخاري- ج3 / ص48.
[2]- شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد- ج20 / ص38.
[3]- تاريخ اليعقوبي -اليعقوبي- ج2 / ص21.
[4]- علل الشرائع -الصدوق- ج1 / ص32.
[5]- علل الشرائع -الصدوق- ج1 / ص32.
[6]- قصص الأنبياء -الراوندي- ص284.
[7]- قصص الأنبياء -الراوندي- ص274.
[8]- تاريخ اليعقوبي -اليعقوبي- ج2 / ص21.
[9]- تاريخ الطبري -الطبري- ج2 / ص35، مناقب علي بن أبي طالب -ابن المغازلي- ص350، أسد الغابة -ابن الأثير- ج5 / ص435.
وقت الشاشة والمشكلات الانفعالية لدى الأطفال: حلقة مفرغة؟
عدنان الحاجي
معنى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ..﴾
الشيخ محمد صنقور
معرفة الإنسان في القرآن (13)
الشيخ مرتضى الباشا
معنى (نكل) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
مميّزات الصّيام
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الدم الزاكي وأثره على الفرد والجماعة
الشيخ شفيق جرادي
البعث والإحياء بعد الموت
الشيخ محمد جواد مغنية
البعض لا يتغيّر حتّى في شهر رمضان المبارك، فماذا عنك أنت؟!
الشيخ علي رضا بناهيان
أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)
السيد جعفر مرتضى
شروط استجابة الدعاء
الشيخ محمد مصباح يزدي
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
عروج في محراب الشّهادة
حسين حسن آل جامع
مشكاة اللّيل
فريد عبد الله النمر
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
وقت الشاشة والمشكلات الانفعالية لدى الأطفال: حلقة مفرغة؟
معنى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ..﴾
الإمام علي عليه السلام شهيد ليلة القدر
معرفة الإنسان في القرآن (13)
شرح دعاء اليوم التاسع عشر من شهر رمضان
من لركن الدين بغيًا هدما
عروج في محراب الشّهادة
ليلة الجرح
ليلة القدر: ليلة العشق والعتق
اختتام النّسخة الثالثة عشرة من حملة التّبرّع بالدّم (بدمك تعمر الحياة)