قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

معنى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ..﴾ والمقصود من الآخرين

المسألة:

 

قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾(1) ما معنى رباط الخيل؟ ومَن هم المعنيون من قوله تعالى: ﴿وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾؟

 

الجواب:

 

الآيةُ المباركةُ بصدد الأمر للمسلمين ببذل أقصى الوسْع لتحصيل القوَّة المُوجبة للمنَعة وإدخال الرعبِ في قلوب الأعداء لله تعالى وللمسلمين، فقوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يعني مبلغ استطاعتكم أي أقصاها.

 

معنى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾:

 

وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ معناه وأعدُّوا لهم من رباط الخيل، فمحصَّل الفقرتين هو أعدُّوا لهم ما استطعتم من قوَّة، وأعدُّوا لهم من رباط الخيل، والإعداد لرباط الخيل وإنْ كان داخلاً في الإعداد للقوَّة إلا أنَّه تمَّ التنصيص عليه لكونه أبرز مظاهر القوَّة في ذلك الوقت.

 

ورباط الخيل هو اقتناؤها أي الاستكثار من اقتناء الخيل للتوسُّل بها في الجهاد، والرباط من الربط هو الشدُّ بنحوٍ أيسر من العقد، فرباطُ الخيل هو ما يربطُ منها ويُحبسُ ويُقتنى، ويُمكن أنْ يكون الرباط اسمًا للخيل التي تُحبس للجهاد بها في سبيل الله تعالى، وقيل: الرباط جمع ومفرده ربيط مثل فِصال وفصيل فيكون المعنى أعدُّوا لهم مربوطات الخيل، ولعلَّ ما يُؤيد ذلك ما رُوي عن النبيِّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلَّم أنَّه قال: "ارتبطوا الخيلَ، فإنَّ ظهورَها لكم عزٌّ، وأجوافَها كنزٌ"(2) ومعنى "وأجوافها كنزٌ" إشارة إلى تناسلها.

 

المقصود من الآخرين في الآية:

 

وأمَّا المعنيُّون من قوله تعالى: ﴿وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ فهم الأعداء الذين لم يُجاهروا بعداوة المسلمين وإنْ كانوا يُضمرون العداء لهم، ولذلك لا يعلم المسلمون بعداوتهم ولكنَّ الله تعالى يعلمهم، فحين يكونُ المسلمون على مستوىً عالٍ من القوَّة والاستعداد فإنَّ قوَّتهم واستعدادهم كما يُدخل الرعب في قلوب الأعداء المجاهرين للمسلمين بالعداوة كذلك فإنَّه يُدخل الرعب في قلوب الأعداء الذين يُخفون عداوتهم للمسلمين. فيكون الاستعداد رادعاً للأعداء المتسترين بعداوتهم كما هو رادع للأعداء المجاهرين بالعداوة.

 

وعليه فمعنى قوله تعالى: ﴿وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ هو أنَّه باستعدادكم تُرهبون أعداءً آخرين لا تعلمونهم فمعنى قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ هو أنَّكم باستعدادكم ترهبون الأعداء المتجاهرين بالعداوة وتُرهبون أعداءً آخرين لا تعلمونهم.

 

المنافقون هم أبرز المقصودين من الآخرين:

 

ولعلَّ أبرز المقصودين من قوله تعالى: ﴿وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ هم المنافقون الذين يعيشون في أوساط المسلمين ويُصلُّون بصلاتهم ويتخلَّلون صفوفهم ولكنَّهم يُضمرون العداوة للمسلمين ويتحيَّنون الفرصةَ للإجهاز عليهم أو الإضرار بهم، فإنَّ الإعداد المُحكم والمتناهي في الاتقان يبعثُ في قلوب المنافقين الرعبَ واليأس فيمنعُهم ذلك من اتِّخاذ قرار المجاهرة بالعداء، وهو ما يضعف من تأثير عداوتهم. والذي يُؤيِّد أنَّ المقصود من الآخرين في الآية هم المنافقون أو أنَّهم أبرز المقصودين من الآخرين في الآية الذي يُؤيِّد ذلك هو قوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ فإنَّ الأعداء الذين لا يعلمهم المسلمون بأعيانهم هم المنافقون كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾(3).

 

وخلاصة مفاد الآية هو الأمر باستفراغ الوسع في سبيل تحصيل القوَّة والعُدَّة، والغاية من ذلك هو إدخال الرعب في قلوب الأعداء المجاهرين للمسلمين بالعداوة وإدخال الرعب في قلوب الأعداء المتستِّرين على عداوتهم.

 

القوَّة الرميُ:

 

والملفت للنظر أنَّ الروايات الواردة عن الرسول الكريم (ص) وعن أهل بيته (ع) فسَّرت أو قل طبَّقت عنوان القوَّة في الآية المأمور بالإعداد لها طبقت ذلك على الرمي.

 

فمن ذلك ما أورده الكليني بسندده عن عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُغِيرَةِ رَفَعَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص) فِي قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ قَالَ: الرَّمْيُ"(4)  وأورده العياشي في تفسيره(5).

 

وأورد كذلك الكليني بسندٍ معتبر عن طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عَنْ آبَائِه (ع) قَالَ الرَّمْيُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الإِسْلَامِ"(6).

 

وورد في مسند أحمد بسنده عن عقبة بن عامر يقول سمعت رسول صلى عليه وآله وسلم وهو على المنبر: ﴿وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إنَّ القوة الرمي، ألا إنَّ القوَّةَ الرميُ، ألا إنَّ القوَّةَ الرميُ"(7).

 

والرميُ في كلِّ زمنٍ بحسبِه، فيكون بالسهام، ويكون بمقذوفات النار، وهو أمضى شيءٍ يفتكُ بالعدو.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- سورة الأنفال / 60.

2- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج4 / ص487، جامع أحاديث الشيعة -البروجردي- ج13 / ص31.

3- سورة التوبة / 101.

4- الكافي -الكليني- ج5 / ص49.

5- تفسير العياشي -محمد مسعود العياشي- ج2 / ص66.

6- الكافي -الكليني- ج5 / ص49. 

7- مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج4 / ص7.          

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد