قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾

المسألة:

 

ما معنى قوله تعالى من سورة النحل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾(1).

 

الجواب:

 

مفاد الآية المباركة هو أنَّ على الله جلَّ وعلا الإراءة والبيان للطريق القويم، فهو عهدٌ من الله تعالى لعباده بأنْ يُبيِّن لهم طريق الهدى والرشاد، فمفاد الآية قريبٌ في معناه من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾(2).

 

فالسبيل هو الطريق، والقصد مصدر بمعنى الاعتدال في مقابل الانحراف يميناً أو شمالاً ويطلق القصد ويراد منه التوسط وهو في كلِّ شيء بحسبه، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾(3) أي اجعل مشيك بين المشيين مستوياً وسطاً، فلا هو بالسريع ولا هو بالبطيء، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾(4) أي سفراً متوسطاً، فلا هو بالقريب ولا هو بالبعيد، فالقصد هو التوسط وإذا وصف به الطريق كان بمعنى الاعتدال والاستقامة وذلك في مقابل الميل والانحراف يميناً وشمالاً، ويُؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾(5) بعد فقرة: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾.

 

ثم إنَّ القصد في الآية مصدر ولكن المراد من اسم الفاعل، فالقصد هنا بمعنى القاصد أي المعتدل والمستقيم، وذلك في مقابل الطريق المنحرف، ولذلك عقَّب الفقرة بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي ومن السبيل ما هو جائر منحرفٌ عن الوسط.

 

فمعنى قصد السبيل هو السبيل القاصد أي المعتدل والمستقيم، وإضافة القصد إلى السبيل من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، فالصفة هي القصد بمعنى القاصد والموصوف هو السبيل، والتقدير هو السبيل القاصد، فيكون مؤدَّى الفقرة من الآية الشريفة هو: واجب على الله تعالى بيانُ السبيلِ القاصد أي المعتدل والمستقيم.

 

وممَّا ذكرناه يتَّضح معنى ما ورد في الدعاء المأثور: "اللهم بصّرنا قصد السبيل لنعتمده"(6) يعني اللهمَّ بصّرنا وأرنا الطريقَ المستقيم لنعتمده، فهو بيانٌ آخر لقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(7).

 

وكذلك يتَّضح ممَّا ذكرناه معنى ما ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين(ع)(8) وأورده الكليني بسندٍ معتبرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَنَّه قَالَ: "إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّه عَزَّ وجَلَّ لَرَجُلَيْنِ رَجُلٌ وَكَلَه اللَّه إِلَى نَفْسِه فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ مَشْعُوفٌ -مشغوفٌ- بِكَلَامِ بِدْعَةٍ، قَدْ لَهِجَ بِالصَّوْمِ والصَّلَاةِ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِه، ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَه، مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِه فِي حَيَاتِه وبَعْدَ مَوْتِه، حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِه رَهْنٌ بِخَطِيئَتِه .."(9) فمعنى قوله (ع): "فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ" هو أنَّ الذي يخذله الله تعالى فيكلُه إلى نفسه يُصبح جائراً منحرفاً عن الطريق المستقيم.

 

عليٌّ (ع) هو قصد السبيل:

 

هذا وقد وصف رسولُ الله (ص) عليَّاً (ع) بأنَّه قصدُ السبيل فقد ورد -كما في شرح الأخبار أنَّه (ص) بسنده عن أبي ذر الغفاري: ".. يا علي، بك يُذهب اللهُ الغلَّ، ويشفي صدورَ قومٍ مؤمنين، وأنتَ قصدُ السبيل، إن استدلُّوا بك لم يضلوا، وإنْ اتَّبعوك لم يهلكوا"(10)

 

يعني أنتَ ياعليُّ الصراطُ المستقيم والمعيارُ الذي به يُعرف الهدى من الضلال، فمَن سلك طريقَك واعتمد سبيلك أمِنَ من الضلال ومَن تبعكَ أمِن يومَ القيامة من الهلاك.

 

ثم قال (ص) -كما في شرح الأخبار-: "أيُّها الناس اتَّبعوه وصدَّقوه ووازروه، وسامحوه، ولا تحسدوه، ولا تجحدوه، فإنَّ جبرائيلَ عليه السلام أمرني بالذي قلتُ لكم"(11).

 

وورد -كما في المناقب- عن زيد بن عليِّ بن الحسين في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: "سبيلُنا أهلَ البيت القصدُ والسبيلُ الواضح"(12).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- سورة النحل / 9.

2- سورة الليل / 12.

3- سورة لقمان / 19.

4- سورة التوبة / 42.

5- سورة النحل / 9.

6- المزار- المشهدي- ص563.

7- سورة الفاتحة / 6.

8- نهج البلاغة -خطب الإمام علي- ص59.

9- الكافي -الكليني- ج1 / ص54.

10- شرح الأخبار -القاضي النعمان- ج2 / ص264.

11- شرح الأخبار -القاضي النعمان- ج2 / ص264.

12- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص443.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد