لقاءات

الشيخ ياسر الحجي: شهر رجب هو فرصة لاكتساب الفضائل


نسرين نجم ..

هو الشهر السابع من التقويم الهجري له مكانته العظيمة عند رب العالمين، فهو شهر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وهو أحد الشهور الأربعة التي خصها الله عزّ وجلّ بالذكر، وهو دورة تدريبية ينبغي الاشتراك فيها للاستعداد لشهر الله تعالى، وقد وردت حول فضائله الكثير من الأحاديث عن أئمة آل البيت (ع) ومنها عن الإمام أبي الحسن عليه السلام: "رجب شهر عظيم يضاعف الله فيه الحسنات ويمحو السيئات". للحديث أكثر عن شهر رجب أجرينا هذا الحوار مع سماحة الشيخ ياسر الحجي:

* شهر رجب واستعداد المؤمن للضيافة الإلهية:
شهر رجب هو أول شهر من أشهر النور، عن سبب تسمية هذه الأشهر بالنور يقول سماحة الشيخ ياسر الحجي: "بداية أتقدم لجميع الأخوة والأخوات بمناسبة هذه الأشهر المباركة التي شرفها الله عز وجل بأجمل التهاني راجيًا من المولى سبحانه وتعالى قبول الأعمال وأن يكتبنا ممن يقصدون هذه الأشهر بنية صافية وقلب سليم. سميت بأشهر النور ربما لما فيها من تجلي لعلاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى عبر برنامج عبادي متكامل فتشرق الأنوار في قلب المؤمن بمعرفة الله وبحبه وبدأ بشهر رجب المرجب وشهر شعبان وشهر رمضان وختم المسك ليلة القدر الشريفة التي هي خير من ألف شهر ليلة الحب والعشق حيث يصل المؤمن في أعلى مراتب الخضوع والتعلق بالله والبعد عن الدنيا وما فيها ."
ويتابع حديثه عن أهمية شهر رجب ولماذا حُرم القتال فيه: "من الضروري لمعرفة أهمية شهر رجب الرجوع إلى النبي (ص) يقول إذا دَخَلَ رَجَبٌ (اللّهُمَّ بارِك لَنا في رَجَبٍ وشَعبانَ، وبَلِّغنا رَمَضانَ .)
لأهمية شهر رجب وشرفه ودوره في تأهيل المؤمن للضيافة الإلهية سأل النبي الأعظم (ص) من الله البركة فيه، ليكون شهر الخير والمنح والعطايا وكسب المقامات المعرفية والروحية من خلال البرامج العبادية التي تخاطب الروح والقلب والفكر وتنظم السلوك والدوافع، وقرنه بشهر شعبان لينبه على أنه مقدمة ضرورية كمالية لدخول في شهر شعبان، وهما بالتالي مقدمة لكمال الدخول في شهر رمضان الكريم .

المعروف أن الأشهر الحرم (التي حرم فيها القتال) منذ عهد النبي إبراهيم (ع)، وكان هذا التحريم نافذًا حتى زمن الجاهلية، فكانت العرب تعطي لها حرمة فتضع الحرب أوزارها، ولا يُقاتل أحد أحدًا، والإسلام أيضًا حرم واعتنى بها، ومنها شهر رجب، وقد قال الشيخ المفيد (قده) في كتابه (مسار الشيعة) حول شهر رجب: "هو شهر عظيم البركة، شريف، لم تزل الجاهلية تعظمه قبل مجيء الإسلام، ثم تأكد شرفه وعظمه في شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم." وهو الشهر الأصم، وإنما سمي بذلك لأن العرب لم تكن تغير فيه، ولا ترى الحرب وسفك الدماء، وكان لا يسمع فيه حركة السلاح، ولا صهيل الخيل، ولا أصوات الرجال في اللقاء والاجتماع. ويستحب صيامه فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يصومه ويقول: "رجب شهري، وشعبان شهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهر رمضان شهر الله عز وجل".

أهمية هذا الشهر الكريم تجعلنا نتوقف عند فضائل شهر رجب الأصم: "شرف الشهر وفضله لما فيه من مناسبات إسلامية مهمة منها ولادة الإمام الباقر (ع) والإمام الهادي (ع) وولادة أمير المؤمينن (ع) والمبعث النبوي الشريف، فهذا الشهر يكتنز بين جنباته محطات جليلة لابد من اغتنامها على الصعيد المعنوي والمادي، فتأكيد الروايات على فضل وثواب الصيام فيه وأنه من مواسم الدعاء وأنه موسم عمل الاستفتاح كمقدمة لشهر رمضان وأنه شهر أمير المؤمنين عليه السلام تجعل المؤمن حريصًا في أن يعيش فكرة السباق والتسابق للحصول على المقامات المعنوية والمعرفية، فإن كنا نقوم بعمل مستحب فعلينا بمضاعفته الآن، وإن لم نكن نأتي به سابقًا فعلينا الشروع فيه الآن، والخطاب للشباب هذه المرحلة الحساسة والمؤثر في مستقبل الإنسان بأنكم تحتاجون للتزود في التدين والإيمان بالله أكثر، يقول الله عز وجل (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) متى ما عاش شبابنا فكرة أنه في سباق في هذه الحياة بطبيعة الإنسان يعيش السباق في الأمور المادية الترفيهية في بيته، شهر رجب هو فرصة لنقل هذه الفكرة للتسابق في المعنويات والمعرفة واكتساب الفضائل وحتى المهارات التي يحتاجها المجتمع المؤمن ليكون مجتمعًا مقاومًا في وجه الهجمة للاستكبار العالمي، فمن الجانب المعنويّ أن يتعبد شبابنا وأن يهتمّوا كثيراً بالأحكام الإسلاميّة، سواء كانت واجبة أو مستحبة. "


ولاكتساب الفضائل والتزود بحصانة دينية ومعنوية في هذا الشهر سألنا سماحة الشيخ ياسر الحجي عن فضائل شهر رجب، يجيب سماحته بالقول: "لهذا الشهر برنامج عبادي ومستحبات كثيرة منها:
•    الصيام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "ألا إن رجب شهر الله الأصم، وهو شهر عظيم، ألا فمن صام من رجب يومًا إيمانًا واحتسابًا استوجب رضوان الله الأكبر، وأطفى صومه في ذلك اليوم غضب الله، وأغلق عنه بابًا من أبواب النار، ولو أعطى مثل الأرض ذهبًا ما كان بأفضل من صومه، ولا يستكمل أجره بشيء من الدنيا دون الحسنات، إذا أخلصه لله عز وجل، وله إذا أمسى عشر دعوات مستجابات إن دعا بشيء في عاجل الدنيا أعطاه الله عز وجل، وإلا ادخر له من الخير أفضل مما دعا به داع من أوليائه وأحبائه وأصفيائه.
•    صلاة كل ليلة مدون في كتب الأدعية تفاصيلها .
•    الأدعية اليومية :( دعاء :يا من أرجوه لكل خير..  ودعاء:  يا من يملك حوائج السائلين.. ودعاء: اللهم يا ذا المنن السابغة .. وغيرها
•     الذكر(التهليل والاستغفار) من المستحبات في شهر رجب أن يقول الإنسان في جميع الشهر ألف مرة "لا إله إلا الله" وثواب هذا التهليل ثواب عظيم ورد الحث عليه روي أن من قاله.. كتب له مائة ألف حسنة، وبني له مائة مدينة في الجنة. ومنها أن يقول في الشهر كله ألف مرة "أستغفر الله ذا الجلال والإكرام من جميع الذنوب والآثام".  وفي رواية: "من استغفر الله تعالى في رجب وسأله التوبة سبعين مرة بالغداة وسبعين مرة بالعشي، يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فإذا بلغ تمام سبعين مرة رفع يديه وقال: اللهم اغفر لي وتب علي، فإن مات في رجب مات مرضيًّا عنه ولا تمسه النار ببركة رجب".
•    قراءة التوحيد ألف مرة.
•  ومن المستحبات العامة في شهر رجب أن يقرأ الإنسان سورة التوحيد في جميع الشهر عشرة آلاف مرة، فإذا لم يستطع، فيقرأها في الشهر كله ألف مرة، وإذا لم يستطع، يقرأها في الشهر كله مائة مرة. عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من قرأ في عمره عشرة آلاف مرة قل هوَ الله أحد، بنية صادقة في شهر رجب، جاء يوم القيامة خارجًا من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فيستقبله سبعون ملكًا يبشرونه بالجنة."

رغم كثرة المبالغات والتحريفات في بعض الأفكار والأقوال التي لا تمت لا إلى الدين ولا إلى الأئمة بصلة يأتي دور المؤمن و: "مدى بصيرته ومعرفته الدينية فلا يقبل بإدخال الأفكار التي ليست من الدين فالدين له معالم واضحة وطريق صحيح محدد فكل فكرة تواجهنا نسأل في بداية الأمر هل لها مستند شرعي حتى تكون مقبولة عندي، مع الانتباه والتأكيد على أننا كفئة مؤمنة تعيش الحذر والنباهة في أن أعدائنا يرصدون ويخططون للقضاء على مقدساتنا تارة بحربهم العسكرية وتارة بأساليب ناعمة هادئة جذابة ظاهرها لطيف ومحتواها خبيث، وفي نفس الوقت المؤمن يتطلع في حياته ويستفيد من كل فرصة وتطور في التجربة الإنسانية ويوظفها في خدمة مبدأه ."


* عطاءات شهر رجب:
الكثير ينتظر شهر رجب ليقوم بالعمرة  الرجبية لما لها أهمية ومكانة عند الله عز وجلّ وهذا ما يؤكده الشيخ ياسر الحجي: "عن رسول اللّه (ص): "أفضَلُ العُمرَةِ عُمرَةُ رَجَبٍ‏". وعن الإمام الصادق (ع): "المُعتَمِرُ يَعتَمِرُ في أيّ شُهورِ السّنَةِ شاءَ وأفضَلُ العُمرَةِ عُمرَةُ رَجَبٍ"‏.
 الشّيخُ الطّوسِيّ: رُوِيَ عَنهُم(ع): أنّ العُمرَةَ في رَجَبٍ تَلِي الحَجّ فِي الفَضلِ‏." . وهذا الشهر يشهد الكثير من المناسبات الجليلة :" في اليوم الأول ولادة الإمام محمّد بن علي الباقر عليه السلام سنة 57 هـ.
•  في اليوم الثالث شهادة الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام سنة 254 هـ
•  في اليوم العاشر ولادة الإمام محمد بن علي الجواد عليه السَّلام سنة 195 هـ
•  في اليوم الثالث عشر ولادة مولى الموحّدين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في السنة العاشرة قبل البعثة النبوية المباركة.
•  في اليوم الخامس عشر من شهر رجب سنة 62 هجرية كانت وفاة عقيلة الهاشميين وبطلة كربلاء السيدة زينب عليها السلام.
•  في اليوم الخامس والعشرين شهادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام سنة 188 هـ
•  في اليوم السادس والعشرين في السنة العاشرة للبعثة النبوية المباركة توفي بطل الإسلام وعم النبي صلى الله عليه وآله أبو طالب رضوان الله عليه، وهو المعروف بمؤمن قريش وحامي النبي وكافله بعد أبيه.
•  في اليوم السابع والعشرين البعثة النبوية المباركة حيث بُعث محمدٌ المصطفى الأمين صلى الله عليه وآله نبيًّا وليكون خاتم الأنبياء".

في شهر رجب هناك ليلة عظيمة الشأن ألا وهي ليلة الرغائب وتأتي في أول خميس من هذا الشهر، وقد سميت بهذا الإسم لإن :" ليلة الرغائب معناها ليلة العطاء الكثير، حيث أن لهذه الليلة المباركة منزلة كبيرة عند الله وفيها يتضاعف الأجر والثواب لمن صام نهارها وقام ليلها وأحياها بالصلاة والدعاء والعبادة والعمل الصالح، وفي هذه الليلة يبلغ الصائمون والمستغفرون حاجاتهم وتتحقق رغباتهم ولهذا فإن الملائكة تُسميها ليلة الرغائب."

وحول الاستفادة من هذا الشهر في العودة إلى ينابيع الدين الأصيل يقول سماحة الشيخ ياسر الحجي: "الإنسان إذا عاش في بيئة مليئة بالإيمان والارتباط بالله عز وجل تسنح له الفرصة أن يكون علاقة مع منابع الدين الأصيل وهي القرآن وأهل البيت عليهم السلام، القرآن يهدي للتي هي أقوم وتعاليم أهل البيت عليهم السلام تحرك الإنسان نحو السمو بالذات عن حضيض الحيوانية والشهوات الشيطانية بتحكيم العقل والتدبر في الكون والتأمل في آيات القرن الكريم، قال رسول الله (ص): القرآن شفاء من كل داء. والإنسان يبتلى في عقيدته وفي أخلاقه وصفاته كما يبتلى في جسده بالأمراض والعلاج في القرآن تلاوة وتدبرًا ففي شهر رجب الفرصة مؤاتية للعلاقة مع القرآن، ومن ناحية ثانية أهل البيت وضعوا لنا منهجًا عمليًّا سلوكيًّا في حياتنا ببرنامج متكامل للروح والسمو بها إلى مقام العبودية والمعرفة الخالصة عبر الصوم والأدعية التي هي كنوز ثمينة يحتاج أن يقدرها الشباب المؤمن ويتعرف عليها.. طالما نجد الشباب يعجبون بالعظماء عبر التاريخ وفي العصر الحاضر وينغمسون في إعجابهم، والأجدى أن يثار سؤال هنا كيف سما هذا وأصبح من العظماء ؟؟ ما هو البرنامج والطريق الذي سلكه حتى أصبح عظيمًا ؟؟

الجواب هو هذا البرنامج الروحي لأشهر النور بدأ من رجب، فبينما تعيش الروح في هذه الأجواء تنشد نحو معرفة منابع الدين أكثر وتقبل بشغف للذكر."

الاستعداد قولًا وفعلًا لشهر رمضان المبارك ضرورة لا بدّ منها وعلى الشباب التحضير لها عبر ما يذكره سماحة الشيخ ياسر الحجي:  
"-الاستعانة بالله والتوسل بذوات المقدسة لأهل البيت عليهم السلام للتوفيق في تحصيل رضا الله عز وجل في هذا الشهر
- المراجعة المستمرة لمفاتيح الجنان باب أعمال شهر رجب.
- العزم والعهد على مراعاة الصلاة أول الوقت.
-  تشجيع الأرحام والجيران والزملاء وحثهم على الصيام حتى تكون ظاهرة تشجع الإنسان أكثر.
- دراسة وتحديد النقاط التي أريد أن أحققها في هذا الشهر وأكتبها في روقة من التعامل مع الأرحام والجيران وزملاء العمل وتحسينه بَدْءًا من الغد.
-  التسامح ممن أخطأت بحقه خلال العام المنصرم إن أمكن بدون مفسدة  .
- من الحواجب الغل والحقد فلابد من نزع الغل من القلب اتجاه الأرحام والجيران وزملاء العمل وتصفية النية."

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد