لقاءات

الشيخ أسامة العتابي: ليست السياسية لدى علي بن أبي طالب مفصولة عن القيم (2)


نسرين نجم ..

* عليُ العدالة:
عُرف عن الامام علي (ع) بأنه الحاكم العادل الذي لم يكن يميز إنسانًا عن إنسان لا بمعتقده ولا بدينه بل كان يعي ويعلم بأن عدالته مع الناس إنما هي انعكاس للإيمان بالخالق عز وجلّ، ويقول سماحة الشيخ أسامة العتابي: "علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو صوت العدالة الإنسانية كما يقولها [جرداق] فكان هذا الفارس المُرعب للفرسان والقائد الأعلى للقادّة لا يعرّف نفسه بشيء سوى كونه أبًا لليتامي والمساكين، ولا يُبالي بكل نيران الحروب والمُؤامرات ضدّه، بينما الناس لا تعترف بالله إلاّ كوسيلة يُوصلها إلى الجنة ويحميها من الجحيم، فإن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، يخاف نار الفراق، نار البُعد بقوله [هبني يا إلهي صبرتُ على نارك فكيف أصبر على فراقك] أليس الطفل يتحمل كُل حِرمان إلاّ حَرمان البُعد عن أمّه، فلا تستطيع مواساته بمَنحه أيّ شي بغيّة أن تذهب الأم إلى السوق في حاجة ضرورية؟! فالأم هي مثال الجمال والكمال، هي في عيون الطفل الصغير الجاهل، هي الكمال ومصدر كل خير وحبّ، وعلي هذا الطفل العالم الكبير، يعرف أين يكون ثدي الجمال والحنان، الذي يرضع منه العالم والوجود، فهو كان منشغلًا به، فيقوم الحاسد في وسط خطبة له (عليه السلام) ويقول كم شعرة في رأسك؟! أو يقول الآخر كافرٌ ما أفقهه؟! ومع كل ذلك لا يغلظ الإمام معه ولا يقطع راتبه الشهري من بيت المال، ويبقى صوته مسموعاً، فحق المعارضة مكفول عند الإمام علي (عليه السلام) ماليًا وإعلاميًا، هكذا كان حكم علي، صورة لم تكرر في التأريخ، حتى في زماننا هذا، زمن أدّعاء الحداثوية والمعاصرة والتنوير وما بعد التنوير وحقوق الإنسان وغيرها من التسميات الخاليه من التطبيق، فعليٌّ صوت الناس، لم يتعامل معهم كإمام معصوم، أو حاكم مفترض الطاعة، أو صاحب حق إلهي يجب أن يخضعوا له كخرافٍ عمياء، على خلاف بعض النظريات الإسلامية في الحكم.

علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان قمّة في الأخلاق والقيم الإنسانية، فلم يكن سياسيًّا سريًّا يريد تهديّم دولة الخلافة من الداخل، وبقي يقول للثائرين بعد عثمان إنّه بالنسبة لضعفهم في تبني الحق وزير أخف عليهم من أن يكون أميرًا.. ثم نراهُ يُنصت للخوارج في التحكيم، وبينما مَعاوية يمنع ماء النهر عن جيش الإمام، فيقوم الإمام بالتحرير ويسمَح لمعاوية وأتباعه بالشرب، فلو منعهم لتساوى الطرفان في البشاعة [وحاشاه] فليست السياسية لدى علي بن أبي طالب مفصولة عن القيم، لذا كانت سياسته تجعل من الحياة المُشتركة والتعايش بحبّ الآخر، قيمة أولى في السُلوك وفي المعرفة، وعليٌّ لا يقبل قتل عبد الرحمن بن ملجم رغم علمه بإنه يعمل لاغتياله، لأن عليًّا يمثل القانون فكيف يقوم بكسَره وتجاوزه، فلا يجوز القصاص قبل الجنايه، علي يخبز الأرغفة للأرامل والأيتام وكذلك لعوائل الخوارج الذين غَدروا به، فكانت الأمهات يدعِين عليه، وهنّ لا يعلّمَنّ أن الواقف على التنور هو علي بن أبي طالب [عليه السَّلام] هكذا هو حاكم الدولة الإسلامية.

حيث استطاع الإمام بسلاح إنكار الذات أن يحقق، ليس رفعة لشخصه فحسب، وإنما أيضًا أن يوقع في أعدائه أكبر الهزائم، هزائم باتت عِبرة لكلّ جيل، فالقمّة الأخلاقية هنا تجعل من المُعادين لها ترابًا تطأه أحذية المرتقين إليها. فعلي هو العدل، كفتحٍ متجددٍ ونصرٍ متجذرٍ في الروح، وهو أملٌ مشبعٌ بالتمردِ، علي هو أزل الخلاص والإخلاص.  لهذا لم يستطع التأريخ أن يجعل عليًّا ينام في حضنه فنام هو في حضن علي، فتساوي التراث الذي ذمّة حيث تراث السلطة، والتراث الذي مدحه وهو تراث المعارضة، ذلك أن عليًّا ناموس الحق، وجبل القيم لا تهمّه أزبال تركتها الرياح في قعر الوادي، ولا يصل إليه مدحُ مادحٍ ولا يُحيط به فكرُ مفكرٍ ناقد، كما لا يصل إليه الطير وينحدر عنه السيل، فعلي إذا لم يصف نفسه فلا يُوصف، وهو حينما يصف نفسه بمقدار سَعة عقولنا لا بمقدار حقيقته هو هو.  وحتى في سعة العقول لا تجد العُقول سِوى الارتكان بالقلوب في شأن وصَف علي، فعلي فكرٌ وعاطفة، ولا طاقة للقلوب، فيتعاون العقل والقلب معًا، على ضرب حصار حول اللغة، فلا يتبقى سوى تبتل المَجـاز في التعبير والبيان، ولا يبقى لدينا سوى صيغة [أفعل التفضيل]، تجيرنا من ضيق العبارة كما فعل أبو نعيم الأصفهاني أحد المتصوفة في كتابه [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء] حيث يقول: [الإمام علي بن أبي طالب.. سيَّد القوم، مُحب المشهود، ومحبوب المعبود، باب مدينة العلم والعلوم، ورأس المخاطبات، ومستنبط الإرشادات، راية المهتدين، ونور المُطيعين، ووليّ المتقين، وإمام العادلين، أقدمهم إجابة وإيمانًا، وأقومهم قضية وإتقـانًا، وأعظمهم حلمًا، وأوفرهم عِلمًا، قدوة المُهتدين، وزينة العارفين، المُنبئ عن حقائق التوحيد، المشير إلى لوامع علم التفريد، صاحب القلب العقول، واللّسان السؤول، والإذن الواعي، والعهد الوافي، فقــأ عيون الفتنة، ووقي من فنون المَحن، فدفع الناكثين، ووضع القاسطين، ودفع المارقين، الأخيشن في دين الله، الممسوس في ذات الله]".

الكل يتحدث عن رسالته (ع) إلى مالك الأشتر، إذا أردنا أن نقف عند أهم القيم التي حملتها هذه الرسالة نحصل على ما ذكره الشيخ العتابي: "لقد عُد عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر من أهم الوثائق الرسمية التاريخية الغنية بمختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية كونه صادرًا من أعلى سلطة في الدولة العربية الإسلامية في عهودها الأولى، ويمثل ذلك مرحلة مهمة من مراحل تطور الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري لدى المسلمين لما شمله من تعليمات ووصايا وسياسات وأساليب إدارية وطرق اختيار الحاكم وأساليب مراقبته وعلاقة الحاكم مع المجتمع بمختلف فئاته سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وكذلك لما شمله من أسس الحكم الرشيد العادل الذي تقاس به مستويات صلاح أنظمة الحكم السياسية في كل مكان وزمان. كما أنه شكل سبقًا زمنيًّا للحقوق التي جاءت مبادئها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948م، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2008م، بمسافة زمنية تصل إلى (14 قرنًا)، وخير دليل على ذلك قوله (عليه السلام) في عهده : "الله الله يا مالك في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى وذوي الأمراض والعاهات التي تمنع عن العمل". لقد تضّمن هذا العهد الأركان الرئيسة التي حدّدها الإمام علي (عليه السلام)، والتي يجب أن ينتهجها الحُكّام في كل عصر على أساس المُنطلقات الإنسانية الإسلامية التي تهدف إلى تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية تنظيمًا دقيقًا وبناء العلاقات الداخلية في المجتمع الإسلامي على أساس العدل والحرية والمساواة ولعل أهمها: (الحرية) بقوله: "لا تكن عبد غيـرك وقـد جعلـك الله حرًّا"، فسلب حرية الإنسان يُعد في الأساس من أكبر المظالم التي تقلل من شأن قيمة وكرامة الإنسان، الأمر الذي جعل الإمام (عليه السلام) يعمل على ترسيخ ذلك المبدأ في عدة مواضع، فقد رفض كافة أشكال الاستبداد والظلم والتجبر، والدعوة إلى إزالة أسباب الاحتقان والتعصّب بين الجماعات المُختلفة على قاعدة من العدل والمساواة وإشاعة الألفة والمودّة بين أفراد الأمة، وعدم التعدّي على الآخرين وحقوقهم وأنفسهم قائلاً لمالك: "إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس أدنى لنقمة، ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمه وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها".

كما يذهب الإمام عليه السلام ليوصي مالك الأشتر في عهده إليه حول طريقة التعامل مع الآخر المختلف بالقول: "واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، ثم يوصي الإمام عليه السلام مالك الأشتر بأن يكون محبًّا للرعية محترمًا لمشاعـر النــاس مــن أي فئـة كانوا، وأن يعفو ويصفــح عــن الذيــن أســاءوا عليه أو علــى خاصتــه بـقولــه: "فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تُحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه". وكذلك رسّخ مبدأ (العدالة) حيث يعتبر الأصل الذي يستطيع أن يصون توازن المجتمع ويرضيه ويهب له السلام والأمن والطمأنينة والاستقرار، إذ أن العدالة بنظر الإمام (عليه السلام) هي وظيفة إلهية فلا يجوز أن يقف الحاكم العارف بالإسلام وقفة المتفرّج عند ترك الناس العدل ولجوئهم إلى الجور والظلم والتمييز والاضطهاد، وهو بذلك عارض ما دأب عليه السياسيون من أن إيجاد الأعوان وسد الأفواه بالمال من الوسائل الضرورة لحسن سير السياسة والتدبير، إذ كان الإمام (عليه السلام) العدو اللدود لهذه الوسائل والأدوات النفعية، ويتضح البعد السياسي للعدالة عند الإمام علي (عليه السلام)، في توجهه نحو السلطة الحاكمة ليبين حالة التأثير والتأثر بين الأمة والحاكم على محك المساواة العادلة، إذ يقول: (جمال السياسة العدل)، وجعل الإمام العدل من واجبات الحكومة إذ يقول لواليه مالك الأشتر: "الواجــب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلــة أو أثـر عــن نبينــا أو فـريضة في كتاب".

 ومن روائع هذا العهد هو منح حق المعارضة أو المشاركة السياسية، ويُعد الإمام علي (عليه السلام) من السباقين في منح الأمة حقها في المشاركة السياسية أو المعارضة، إذ يقر الإمام بأن السلطة هي من حق الشعب، قائلًا: (إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلاّ من أمرتم)، وهذا يعني أن المنهج الفكري والأداء السياسي يجب أن ينبع من الأمة وليس حكرًا على فرد أو طبقة خاصة، ومن حق الأمة اختيار حاكمها وولاتها، وذهب الإمام إلى إثبات شرعية الحاكم من خلال الاعتماد على رضا الناس الذي انعكس آنذاك في نظام البيعة كأسلوب للتعبير عن الإرادة الشعبية لاسيما مع ضمان الحرية لتلك البيعة.  وقد كان فكر الإمام (عليه السلام) فكرًا منفتحًا عندما منح المرأة دورًا سياسيًّا بتأكيده على مشاركتها في المعارضة السياسية وفي الجهد العسكري والإعلامي كما في حروب الإمام، وحق التعبير عن الرأي من خلال نظام التصويت المتبع في وقتنا الحاضر، وضرورة توعية المرأة سياسيًّا. ولا شك فإن إيمان الإمام (عليه السلام) بحق المرأة في المشاركة السياسية أظهر للأمة أنموذج السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام)، التي تمكّنت من الدفاع عن فلسفة ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بعد استشهاده، ومن ثم القيام بهجوم فكري على قاتليه مما أدى إلى إنضاج روح الثورة في الأمة الإسلامية سواء على الصعيدين النظري أو العملي. فضلًا عن ذلك، فقد ذهب الإمام علي عليه السلام إلى ترسيخ مبدأ شرعية المعارضة في بادرة ربما لم تصل إليها المجتمعات والمفكرون حتى وقتنا الحاضر، من خلال فهمه العميق لأهمية المعارضة ودورها المهم في العملية السياسية كأداة لتقييم وتقويم وتغيير السلطة الحاكمة. وإذا كان الإمام قد رفع راية المعارضة السياسية بشكلها السلمي، وعدّها جزءًا حيويًّا من حقوق المعارضة ولابد من الاعتراف بها، فإنّه (عليه السلام) وضع بعض الضوابط والمحددات على استخدام هذا الحق الشرعي والذي يستند إلى مبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فقد جاء في عهده لمالك الأشتر: (وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلعهم لمعايب الناس، فإنه في الناس عيوبًا الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها)، إلى أن يقول عليه السلام: (ولا تعجلن إلى تصديق ساعٍ فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين). هذا العهد يعد أنموذجًا للتطبيق في المراحل والمواقف المماثلة، إذ أن كل لحظة وكل أزمة وكل منعطف وعلى مر العصور كان يتطلب نوعًا خاصًا من التعامل واتخاذ المواقف وهو ما جسده الإمام (عليه السلام) في مسيرته وسياسته وأقواله وأفعاله، الأمر الذي يستدعي منّا أن نستفيد في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها أمتنا الإسلامية من محن وابتلاءات من آراء الامام السياسية في كافة مجالات حياتنا".

وفي ذكرى ولادته الشريفة هناك الكثير من المستحبات التي يمكننا أن نقوم بها والتي يذكرها سماحة الشيخ العتابي: "يعتبر يوم الثالث عشر هو أول أيام البيض المعروفة في كل شهر، وفيها أعمال كثيرة ذكرتها كتب الأعمال والعبادات، فضلًا عن أنها تزامنت مع ولادة نفس رسول الله (صلوات الله عليه)، مما يتطلب أن تُحيى بالأفراح، والعبادة والذكر، فضلًا عن زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) سواء عن قرب أم عن بعد، والأنس بذكر فضائله، ونشر أقواله، فإن هذا اليوم يُعتبر يوم ولادة نور الهداية المحمّدية".

هذه القيم والفكر والمعرفة والحكمة التي يحملها الإمام سلام الله عليه يجب نقلها إلى الشباب ليقتدوا بسيرته وبمسيرته لذا يقول سماحة الشيخ أسامة العتابي: "الشباب طاقة كبيرة جدًّا، لها أثرها الكبير في المجتمع، على شبابنا الواعي أن يتخذوا قدوة لهم في حياته، فقد حاولت الثقافة الحداثوية والإعلام الاستعماري، أن يبرز لشبابنا قدوات مزيّفة، يوجّه بها اهتماماتهم نحو الميوعة واللعب والانحراف.. لذا نرى التركيز على تضخيم شخصيات الفن! وفرسان الرياضة! وأبطال المغامرات الجنسية! من أجل أن يجعلوا منهم قدوات يعمل أبناؤنا على تقمّص شخصياتهم، والسير على خطاهم الملتوية.. وحتى إذا ما أراد هذا الإعلام الاستعماري، أو شاءت تلك الثقافة العملية أن تستعرض لشبابنا حياة بطل ثائر، أو مواقف شاب مناضل، أو سيرة عالم مفكّر.. فإنها تحاول استيراد هذه الشخصيات من وراء البحار ومن خلف المحيطات!!
ونحن وإن كنا نحترم كل كفاءة علمية، ونكبّر أي نضال إنساني، ولكنّا في نفس الوقت نرفض الانفصال عن تاريخنا المجيد وتراثنا العظيم الذي يزخر بحياة الأبطال المجاهدين، ومواقف الثوار المخلصين ونشاط العلماء المبدعين. وتناسي عظماء تاريخنا الإسلامي، وأبطال أمّتنا الكريمة واستجداء شخصيات الأمم الأخرى، واستيراد أبطالها كقدوات لشبابنا يعني طمس أصالة هذه الأمة، وقطع الصلة بين أجيالها المعاصرة وماضيها العريق!! مع ملاحظة أخرى: هي أن أبطال الآخرين وشخصياتهم قد لا ينطلقون في مواقفهم من المنطلقات المبدئية التي نؤمن بها، ولا يتحرّكون ضمن الرؤية التي نعتنقها ولا يلتزمون بالتعاليم التي نلتزم بها نحن.. وإذا ما أصبحوا قدوات لشبابنا كان هناك خطر الالتباس وتشويش الرؤية.. وبمراجعة سريعة لأرشيف تاريخنا المجيد نرى للشباب الرسالي دورًا أساسيًّا وفعالًا في إرساء دعائم الرسالة الإسلامية، وبناء الأمة المناضلة.. كان للشباب المؤمن القسط الكبير في صناعة الثورة الإسلامية واستمرار مسيرتها، وحماية مبادئها.. فقد كانوا في طليعة السابقين إلى الإيمان، والمبادرين إلى اعتناق الدعوة السماوية.. حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "أوصيكم بالشباب خيرًا  فإنهم أرق أفئدة إن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا فحالفني الشبان وخالفني الشيوخ". وبجهودهم المخلصة، وتضحياتهم العظيمة، ودمائهم الزكية الطاهرة، اخضرَّ عود الإسلام، وأينعت ثماره. وسيرة علي بن أبي طالب (عليه السلام): مع حداثة سنّه ونعومة أظفاره يضع نفسه تحت خدمة الرسالة الإسلامية، فقد كان أول الناس إسلامًا وتصديقًا بنبوة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) رغم أن عمره ما كان يتجاوز التاسعة.. ولمّا كان أطفال مكّة بإيعاز من سفهائها يؤذون النبي ويرمونه بالحجارة حينما يمر في الطريق.. كان علي (عليه السلام) ابن العاشرة من العمر مرافقًا للرسول في طريقه يدفع عنه الأذى ويؤدب أبناء المشركين.. وفي ليلة الهجرة كانت قمة التضحية والفداء من علي (عليه السلام) الشاب المؤمن، فقد أحدق المشركون ببيت النبي يريدون الهجوم عليه فجراً واغتياله، فلا بد من خروج الرسول من داره مع إيهام القوم بوجوده في الدار لفترة يتمكّن فيها من قطع طريق الهجرة وطلب الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) من أخيه وابن عمه الشاب أن يقوم بدور التمويه على الأعداء، بأن يضطجع على فراش الرسول إلى الصباح حيث يهجم القوم.. ورغم خطورة المغامرة فقد بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ينتظر سيوف القوم وحرابهم، بكل ثقة وإقدام!! وبعد هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله) الى المدينة أصبح علي (عليه السلام) ممثّله في مكّة، يؤدّي الأمانات، ويرد الودائع، ويرعى الحركة الإسلامية ويحمي عائلة الرسول (صلّى الله عليه وآله). ثم هاجر مع عائلة الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، رغم معارضة المُشركين ومطاردتهم له في الطريق.. وفي المدينة كان إلى جنب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في كل أعماله ونشاطاته وحركاته، وعلى يديه كتب الله النصر للإسلام في جميع المعارك التي خاضها.. هكذا كرَّس علي (عليه السلام) شبابه في خدمة الرسالة، إلى أن أدركه الشيب واستشهد في سبيل الله تعالى. وقد قال عليه السلام قبل وفاته وحق له أن يقول: "لقد نهضت بها وما بلغت العشرين، وها أنا قد ذرفت على الستين". هكذا كان علي بن أبي طالب شابّاً حركيًّا فعّالاً في خدمة الدين والإنسانية جمعاء".

وفي الختام يتحدث سماحته عن فرحة الولادة المباركة بالقول: "فَرحتنا بولادة مَولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قد تبدو ناقصةً تمامًا، على عكس ما نراه من ضَجيج المُعايدات والخطابات والمناسبات والتهاني والمعايدات، وهُنـا أريد توجيه نقد لأنفسنا بهذه المناسبة قبل أن نهنئ بعضنا بعضًا، فما أقصدهُ هنا هو التّنبيه إلى نقطة هامّة، قلّما يُعيـرها الكثيرون اهتمامهم، ألا وهي قياس مدى انتمائنا إلى فكر عليّ (عليه السلام) وسلوكه وسَيرته ومدرسته في حياتنـا اليوميّة، وما فيها من أزمـات وتعقيدات تنضح للأسف، بكثير من التقــزّز والنُفور، وتبعث على الإحباط. فماذا لو كان عليّ (عليه السلام) حاضرًا بيننا اليّـوم، ورأى على مسَاحة مجتمعنا، مشَهد الفرقة، وارتفاع منسوب العصبيَّـات والجهل والتخلّف، وتفشّي السّلوكيات الَّتي لا تبرز الأخلاق الإنسانيّة والإسلاميّة الأصيلة من غيبة ونميمة وعنصريّة، وقطع للتّواصل والتراحم، ونفخ في أبـواق الفتنة، وتعميم للفوضى والفساد والتعدّي على الآخرين ؟! إن فرحتنا بعليّ (عليه السلام) ناقصة وتكتمل عندما ننقّي قـُلوبنا من العقد والأمراض، ونصفّي عقولنا من كلّ أوساخ الأفكار المُنحرفة، فعندها، ننظر ونبصَر بعين ثاقبة متوازنة ما لدى مدرسة عليّ (عليه االسلام) من تعاليم ودروس عبّرت وتعبّر عن أصالة الإسَلام في دعوته إلى المحبّة والسّلام والتّسامح، وإلى بناء الذّات العاقلة والملتزمة والمنفتحة.

وفرحة عليّ (عليه السلام) ناقصة وتكتمل بنا، عندما يحَضر بكلّ فعاليّة وقوّة في مجالسَنا الّتي تعمّـر بالخير والوعي، وعندما يحَضر في علاقاتنا الّتي تـُبنى على أسَاس الودّ والاحترام والتّفاهم، فلا يتصَـورنَّ أحد أنَّ هناك من ينتمَي إلى عليّ (عليه السلام) وفي قلبه غلّ وحَقد وحسد، وفي عقله تلوّث وتخلّف وجهل، فلو كان عليّ حاضرًا بيننـا اليوم، لرفض كلّ إنسان لا يسَلك في طريق الحقّ وخدمة الإنسان والحياة، لقد كان عليّ (عليه السلام) إمامًا للحق والإنسانيّة، وقدوةً حيّةً لأصالة الإسلام المتحرّك في قلب الواقع، ومحاربًا للأهواء والمصالح والحسابات الضيّقة المنافية لحسابات الله تعالى. لنكمَـل فرحَتـنا بالتمَسّك في سَيرة عليّ، ومواعَظ علي، وسلوك عليّ لكيّ تكون المُناسبة على أتمّ وجه .

 وأخيرًا لا يبقى لي إلاّ أن أصف عليًّا (عليه السلام) بلغة برهمية، فعلي هو الذي يُفسّره الكلام ولكن لا تتم المعرفة إلاّ بكلامه، فهو إمام المَعرفة وإمام الكلام، وإمام الخير والسلام، فمنه السلام وعليه السلام. فها هو علي بن أبي طالب معَنى مُسجى على خشبة مسَرح التأريخ حوله الحسنان ويده تشير بالتوصية بالفقراء وتآخي الناس وتزويع الثروات العامة بالعدل، بقي حتى آخر رمقٍ فيه، وهو يوصّي بالمُجتمع وبالجماهير وضرورة الرحمة بقاتله، لم يقل كلمة واحدة في شأن عائلته وشأن نفسه، إنما عاش للجمَيع وبقي يعمل للجميع وآخر وصيته هي للكل.

وكل عامٍ وأنتم لعلي (عليه السلام) من الموالين ولنهجه من السائرين ..

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد