لقاءات

أديب أبو المكارم: تلهمني السيدة زينب (ع) بصبرها العظيم وبأدوارها الرسالية والريادية


نسرين نجم ..

من شعراء آل البيت (ع) نشأ في بيئة أدبية ثقافية تعشق خط الولاية، كتب الكثير من القصائد في حب عترة النبي المصطفى (ص)، لأنه يعتبر بأن هذا الأمر تكليف وليس بتشريف، فالقصائد يعنده التزام الشاعر بواحدٍ من أهم المبادىء الإسلامية، مودّة آل البيت سلام الله عليهم التي تضمن سعادة الدارين. إنه الشاعر أديب أبو المكارم من القطيف الذي أجرينا معه هذا الحوار:

* احتفالات آل البيت (ع) ملهمة للشاعر:
الشعر قد يولد مع الإنسان بالفطرة أو قد يكتسبه من خلال المطالعة أو من خلال المحيط، والأهم من ذلك أن يكون يحب الشعر بصدق ليأخذ منه ويعطيه بكل انسيابية وهذا ما كان مع الشاعر أديب أبو المكارم: "طربت بالشعر وعشقته منذ صغري، كنت أحب مادة المحفوظات (كما كانت تسمى)، التي كنا ندرسها في المرحلة الابتدائية، وما زلت أتذكر كثيرًا منها، كنت ألحنها وأنشدها وأرددها في البيت، وأحيانًا كنت أنشدها في الطابور الصباحي، أو في الصف. كانت أناشيد تحرك المشاعر وتشجع الطالب على حفظها خلاف ما هو معتمد الآن في مناهج التعليم الجديدة للمرحلة الابتدائية. ثم بدأت بعدها بمحاولة الكتابة، والتي كانت في المرحلة المتوسطة.".
وللبيئة والمكان تأثير كبير على تعزيز موهبة الشعر عنده: "أنا ولدت في بيئة تعشق الشعر، وتتذوقه، ويشهد لها من يزورها من الخارج. فمدينة القطيف بكل ضواحيها تحب الشعر، تلحظ ذلك في محافل أهل البيت عليهم السلام، إذ تعتبر فقرة الشعر هي الأهم والأكثر جذبًا للمستمع، وكذلك في حفاوتهم بالشعراء. والقطيف كانت ولا تزال ولادة بالشعراء والأدباء.
أما على مستوى البيئة العائلية، فأسرة آل الشيخ وآل أبي المكارم عائلة علمية وأدبية. ووالدي حفظه الله تعالى كان مهتمًا بالثقافة والأدب وإن لم يكن شاعرًا، إلا أن له فضلًا كبيرًا على المنطقة في نشر الثقافة والاهتمام بالكِتاب والكُتّاب. كوّن له في منزله مكتبة عامرة بمختلف الكتب وصنوفها، وألف كتبًا أشهرها موسوعة المدائح النبوية في عشرين مجلدًا.
ولأنني وأخوتي كنا نعيش في أجواء مكتبته وعمله الدؤوب في التأليف وجمع القصائد، أثرّ ذلك في محبتنا واهتمامنا بالشعر والتأليف. كما لا أنسى دور أخي الأكبر الأستاذ عدنان في خلق أجواء شعرية بتجربته الثرية الفذة فكان لذلك أثر عليّ وعلى بقية أخوتي وأصدقائه، والمجتمع."

أولى محاولاته الشعرية بدأها: "بنوعيه الفصيح والدارج. ولا زلت مستمرًا على ذلك". أما بالنسبة لقصيدته الأولى فيقول: "لا أتذكر بالضبط أول قصيدة كتبتها فالمحاولات كثيرة، ولكني أتذكر أول قصيدة نشرتها كانت بعنوان "غاية الجمع افتراق" نشرت في رسالة الجامعة التي تصدر عن جامعة الملك سعود بالرياض، عن طريق أخي الأستاذ شفيق حيث كان يدرس هناك وكنت أدرس في جامعة الملك فيصل بالاحساء."
من يتابع قصائد الشاعر أديب أبو المكارم يلمس مدى تعلقه بآل البيت (ع) وهذا يعود كما يذكر إلى: "أثر البيئة في التكوين الثقافي والأدبي، فاحتفالات أهل البيت (ع) كانت ملهمة لي ولكثير من الشعراء. كما أنها تعتبر منصة انطلاق الشاعر في بيئتنا المحافظة ومحط الجمهور. حيث لم تكن المنتديات حينها منتشرة كما هو الحال الآن، إضافة إلى تعاوني مع بعض المنشدين، ولهذا يغلب على شعري الطابع الولائي، والذي أكثر من نشره، لكن لي قصائد أخرى أخوانية ووجدانية وغزلية وابتهالية نشرت بعضها وبعضها لم ينشر بعد."
ومما لا شك فيه فإن الشعر في أهل البيت مسؤولية لأن فيه نقل ثقافة للجيل الناشئ وهذا ما يؤكده أبو المكارم بالقول: "لا شك أن الكتابة في أهل البيت إلى جانب أنها تشريف فهي في ذات الوقت تكليف أيضًا. فلا بد من مراعاة كثير من الجوانب سيما العقدية والتربوية والفكرية لما لذلك من أثر على المتلقي سواء من داخل المذهب أو خارجه. على الشاعر أن ينتقي عباراته التي تناسب مقام أهل البيت (ع) بعناية فائقة، مبتعدًا عن كل ما من شأنه أن يخدش من مكانتهم سيما في نظر الآخر. وعلى الشاعر أن يتصور أنه يلقي ما يكتب أمام صاحب المناسبة واضعًا في حسبانه هل سيقبلها منه الإمام أم لا. فلا يكن هوس التجديد في مدح أهل البيت ووصفهم مدعاة للمغالاة أو الإقلال من شأنهم أو وصفهم بما لا يليق بهم".

* العقيلة (ع) والريادة:
نحن الآن نعيش أجواء ذكرى وفاة العقيلة (ع)، هذه المناسبة العظيمة والأليمة فيها الكثير من الصور والقيم التي يستلهمها الشاعر: "تلهمني السيدة العظيمة زينب بصبرها العظيم، ورباطة جأشها، وتصديها للمسؤولية الكبرى. نهضت بكامل عفّتها وحشمتها لتكمل رسالة أخيها الإمام الحسين (ع). تلهمني بأدبها وبلاغتها التي تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين (ع). تلهمني بأنها امرأة رسالية كما كانت جدتها الكبرى خديجة (ع) وأمها الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (ع). تلهمني بأنها تقوم بأدوارها الريادية حسب ما يقتضيه الظرف حاملة معها الأهداف والمبادئ الإسلامية الأصيلة."

لذلك هو يعتبر الشعر رسالة وتكليفًا وليس ترفًا فكريًّا: "فالشعر منذ القدم ولا زال يحظى بالقبول والإعجاب حتى ممن لا يكتبون الشعر. وهو الأكثر رواجًا بين الآداب الأخرى، لسهولة حفظه وسلاسة ألفاظه ورقته، وتأثيره على المشاعر والأحاسيس. والفكر لا يكون ترفًا أبدًا. والشعر إنما يكون ترفًا إذا خرج عن مساره الصحيح وأهدافه وغاياته". وهذا الأمر يتطلب من الشاعر بما أن الشعر هو فكر بأن يمتلك خلفية ثقافية وهذا ما يؤكده الشاعر أديب أبو المكارم بأنه: "لا بد للشاعر من تثقيف نفسه حتى يرقى بأدبه. وقد أشرت إلى دور والدي في تأسيس مكتبته ولقد كان يؤثر الكتاب على أمور أساسية للبيت والأسرة. كما أن أجواء الكتابة والتأليف تفرض على الباحث أن يطلع ويبحث ويزيد من ثقافته حتى يكتب جديدًا ويطور من صياغة المادة التي يعرضها. ومهما بلغ الإنسان عمرًا في الكتابة والتأليف لكنه يبقى نهمًا لكسب المزيد من المعارف والثقافة. هذا إلى جانب الاستفادة من ملاحظات القراء أو من أعرض عليهم قصائدي، وقد استفدت شخصيًّا كثيرًا من ملاحظات الأديب الشيخ عبدالكريم زرع، والأديب السيد عدنان العوامي.". فالشعر موهبة ولكنه: "يحتاج إلى تعلم واتقان قواعده، وتبحر في اللغة والبلاغة، وقراءة المزيد من تجارب الآخرين."
كتابة الشعر ليس بالأمر اليسير بل لها شروطها وقواعدها، هذه المسيرة الشعرية لأديب أبو المكارم واجهت بعض الصعوبات: "يمكنني الحديث عن البطء في الكتابة والتباطؤ في النشر. فقد أكتب مطلع القصيدة وأكمله بعد عام! لكنني أحب أن أعيش مع قصائدي جوًّا خاصًّا يربطني بها، كمن يربي طفلًا صغيرًا ويحب أن يرى مراحل نموه شيئًا فشيئًا لا أن يكبر أمام عينيه فجأة."
وبالانتقال إلى طموحه يقول: "طموحي أن أرى القطيف في طليعة المدن الأدبية والثقافية فهي ولادة بالأدباء والمفكرين والمثقفين. ونشهد من الأخوة الشعراء تحقيقًا باهرًا لإنجازات أدبية محلية ودولية تنم عن تقدم ملحوظ. أسأل الله لهم المزيد من التقدم والإنجاز المتميز وللأجيال القادمة.". أما بالنسبة لمشاريعه الحالية والمستقبلية: "أعمل على جمع شتات قصائدي. لا أقلها تحقيقًا لرغبة والدي حفظه الله فكثيرًا ما يلحّ علي في هذا الأمر".

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد