قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ جوادي آملي
عن الكاتب :
ولد عام 1351 هـ بمدينة آمل في إيران، أكمل المرحلة الإبتدائية ودخل الحوزة العلمية في مدينة آمل، وحضر دروس الأساتذة فيها لمدّة خمس سنوات، وفي عام 1369 هـ سافر إلى مدينة طهران -التي تُعدُّ محطَّ تدريس كثير من العلماء والفلاسفة- لإكمال دراسته الحوزوية، وبدأ بدراسة المرحلة العليا في المعقول والمنقول في مدرسة مروي العلمية، وواصل دراسته حتّى عام 1374 هـ، ثمّ سافر بعدها إلى مدينة قم المقدّسة لمواصلة دراسته الحوزوية. من أساتذته: السيّد محمّد حسين الطباطبائي، الشيخ هاشم الآملي، والإمام الخميني.

فهم شأن وفضاء وجوّ نزول القرآن


الشيخ جوادي آملي

لقد أولىٰ مفسّرو القرآن الكريم اهتماماً خاصّاً ببيان شأن وسبب نزول آيات القرآن[1]، لكنّهم لم يهتمّوا ولم يلتفتوا إلىٰ (فضاء النزول) الّذي يتعلّق بمجموع السورة و(جوّ النزول) الّذي يتعلّق بمجموع القرآن الكريم ولم يذكر هذان الأمران في التفاسير الموجودة وفرق شأن النزول مع فضاء وجوّ النزول هو أنّ شأن النزول أو سبب النزول يتعلّق بالحوادث الّتي وقعت في عصر النبيّ الأكرم (ص) في نطاق الحجاز أو خارجه، وكذلك المناسبات أو الأسباب الّتي هيّأت الأرضيّة لنزول آية أو عدّة آيات من القرآن الكريم.[2]
أمّا (فضاء النزول) فيتعلّق بمجموع السورة من حيث دراسة الأوضاع العامّة ومواصفات الناس والحوادث والظروف الخاصّة المحيطة بفترة نزول السورة في الحجاز وخارجه. فكلّ سورة من سور القرآن كانت فصلاً جديداً يُفتتح بنزول آية {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم} ويختتم بنزول بسملة السورة التالية.

وبعض سور القرآن الكريم نزلت بنحو دفعيّ مثل سُور الحمد والأنعام والنصر، وبعضها علىٰ نحو تدريجيّ خلال عدّة أشهر أو عدّة سنوات، وخلال مدّة نزول السورة وقعت حوادث وحكمت ظروف معيّنة في الدائرة الّتي كان يعيش فيها المسلمون والعالم الخارجيّ. وكشف الستار عن هذه الحوادث والظروف وتبيينها في بداية كلّ سورة هو تصوير لفضاء نزول تلك السورة.
أمّا (جوّ النزول) فيتعلّق بجميع القرآن الكريم، والمقصود منه الأرضيّة المناسبة والتمهيد من حيث الزمان والمكان لنزول جميع القرآن. فالقرآن نزل خلال 23 سنة علىٰ القلب المطهّر والمكرّم للنبيّ الأكرم (ص). والحوادث الّتي وقعت خلال مدّة نزول القرآن في البلاد الإسلاميّة أو خارج نطاق البلاد والحكومة الإسلاميّة والظروف والأفكار الّتي كانت سائدة فيها أو الحوادث الّتي ظهرت علىٰ أثر نزول آيات القرآن الكريم في العالم في ذلك اليوم كلّ ذلك يشكّل مايسمّىٰ بـ(جوّ نزول القرآن).
والعناوين الثلاثة المذكورة (شأن وفضاء وجوّ النزول) يوجد فيما بينها اضافة إلىٰ هذا الاختلاف وهو أنّ العنوان الأوّل يتعلّق بآية واحدة أو عدّة آيات والثاني يتعلّق بالسورة والثالث يتعلّق بكلّ القرآن، هناك اختلاف آخر أيضاً وهو أنّ شأن النزول ناظر إلىٰ تأثير الحوادث الخاصّة من جانب واحد علىٰ نزول آية أو عدد من الآيات، ولكن في فضاء نزول السورة وكذلك في جوّ نزول القرآن فالكلام يجري عن التفاعل والتعامل (التأثير المتبادل من جانبين) بين الفضاء الخارجيّ ونزول السورة أو الجو العالميّ ونزول مجموع القرآن، بمعنىٰ أنّ الفضاء الموجود والجوّ الموجود يقتضي نزول السورة وكلّ القرآن، وكذلك نزول السورة وتنزّل مجموع القرآن يغيّر الفضاء والجوّ.

إنّ إدراك معارف القرآن الكريم يتمّ إلىٰ حدٍّ ما في ظلّ التعرّف علىٰ شأن وفضاء وجوّ النزول. ويمكن الاستفادة من المصادر المختلفة في التاريخ والحديث والقرآن الكريم نفسه في بحث ودراسة فضاء نزول السوَر وجوّ نزول مجموع القرآن. وهذه مهمّة المفسّرين في سدّ النقص وملأ الفجوات الموجودة في مجال فضاء نزول السوَر وجوّ نزول القرآن. ومن المناسب في ختام هذا البحث أن نبيّن علىٰ سبيل المثال جزء من فضاء نزول سورة النساء المباركة ونشرح تركيبة ذلك النظام الاجتماعيّ والشعبيّ لمجتمع الحجاز في عصر نزول هذه السورة:

لقد نزلت سورة النساء في السنة الثالثة أو الرابعة للهجرة في فضاء كان فيه المجتمع الحجازيّ ينقسم إلىٰ الفئات الاجتماعيّة التالية:
1. مشركو مكّة الّذين تعبّأوا وبذلوا قصارىٰ جهدهم وسعيهم لأجل القضاء علىٰ النظام الإسلاميّ.
2. منافقوا الداخل: الّذين كانوا يشكّلون أكثر من ثلث المسلمين وكانوا يعملون كعيون وجواسيس للأجانب ويطعنون النظام الإسلاميّ في المقاطع الحسّاسة كما حصل في غزوة أحد حيث عاد أكثر من ثلاثمائة مقاتل من النَفير المتّجهين إلىٰ الجبهة من بين ألف مقاتل من المسلمين. وكان النفاق في تلك الفترة الحسّاسة عاملاً مؤثّراً وقاصماً، ولذلك فإنّ الكثير من الآيات الّتي نزلت في المدينة قد فضحت المنافقين وكشفت مؤامراتهم.
3. اليهود في أطراف المدينة الّذين كانوا بسبب قدرتهم الماليّة وامتلاكهم الثروات الطائلة مشتغلين بالربا والتصريف وكان الفقراء في المدينة يقترضون منهم فكانوا مدينين لهم ويعتبرونهم متمدّنين. وهؤلاء كان لهم ارتباط مع منافقي الداخل ومع مشركي الخارج أيضاً وكانوا يُعَدّون مصدر خطر دائم للنظام الإسلاميّ.

4. فئة ضعفاء الإيمان الّذين لم يكونوا من المنافقين ولا من اليهود ولا من المشركين والقرآن الكريم يعبّر عنهم أحياناً بعبارة: {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض}.[3] فهذه المجموعات الأربع الرسميّة والمعروفة هي الّتي كانت في مقابل النظام الإسلامي، والّتي تضمّ المحارب والمخالف والمختلف والحياديّ. ويذكر القرآن الكريم فئة أخرىٰ باسم (المرجفين) الّذين كانوا يبثّون الأراجيف في الفرص المناسبة، أي يثيرون الإشاعات والكلمات الّتي تؤدّي إلىٰ الرجفة والتزلزل. وليس هؤلاء فئة مستقلّة بالقياس إلىٰ الفئات الأربع السابقة، بل هم المنافقون الداخليّون أو اليهود المحيطون بالمدينة الّذين كانوا يقومون بدورهم الخاصّ في بعض الفترات، ولم تكن لهم قاعدة فكريّة ثابتة، بل كانوا تابعين للآخرين. وفي مثل هذا الفضاء نزلت سورة النساء، والالتفات إلىٰ مثل هذا الفضاء مؤثّر في تفسير هذه السورة لاسيّما الآيات من 17 إلىٰ 91.

ــــــــــــ
[1] . انّ الأحاديث المتعلّقة بشأن وسبب النزول عند السنّة تبلغ عدّة آلاف وفي كتب الشيعة تبلغ عدّة مئات. راجع كتاب الشيعة في الإسلام، ص103.
[2] . بناءً علىٰ هذا فانّ مجرّد التقارن التاريخيّ لظاهرة مع نزول آية معيّنة لايؤدّي إلىٰ اعتبار تلك الظاهرة هي شأن نزول هذه الآية المذكورة.
[3] . سورة الأحزاب، الآية 60.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد