علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
السيد علي عباس الموسوي
عن الكاتب :
كاتب وباحث اسلامي، استاذ في الحوزة العلمية

المواكبة القائمة والمواكبة المطلوبة


السيد علي عباس الموسوي


الإطار الأول: المواكبة الفكرية القائمة

تمتاز هذه المواكبة بنشاط واسع وأفكار جديدة وغريبة، لا يقف أمامها شيء من تراث أو أفكار سابقة رائجة، ولا تريد لشيء أن يقف عائقاً أمام تقدمها. ولكن ما يسجل عليها من ملاحظات هو التالي:

               

أولا: الإخفاق في الترجمة الدقيقة، فهل تمكن أصحاب هذا العمل من الفهم الدقيق لتلك النظريات، أو أن هذه الترجمة قامت على أساس ترجمات أخرى؟ ونحن ندرك كم يؤدي اختلاف اللغة إلى اختلاف فهم المراد والمقصود بين النص بلغته الأم وبلغته المترجمة. ومن هنا كانت الترجمات خليطاً من أفهام مختلفة، وتعددت نظريات هؤلاء المترجمين بحسب أفهامهم، وأصبح النقاش نقاشاً مع أفهام خاطئة أحياناً، أو حتى لو كانت صائبة فهي قد لا تكون لأصحابها المنسوبة إليهم فعلاً.

               

ثانياً: لكل نص إطاره الخاص، وهذا ما يؤمن به أصحاب هذا العمل أي أصحاب الترجمات. والمراد من إطاره الخاص الفرضيات المسبقة والمبتنيات والحاجيات وغيرها. ويقوم هؤلاء بتجاهل ذلك كله وفصل النص تماما عن إطاره وتطبيقه على إطار آخر له فرضياته الخاصة والمسبقة. ولذلك عندما رأى هؤلاء ما يهدمه هذا النقل من أسس وفرضيات ليسوا هم بصدد التخلي عنها لجأوا إلى اجتراح حلول أخفقت في رد الملاحظات المسجلة على هذه الأفكار، وإن كان منهم من امتلك جرأة هدم تلك الفرضيات والتجاوز عنها، لا سيما مع ملاحظة أن هؤلاء كانوا لا يدركون التأثير المباشر أو غير المباشر لهذه الأفكار والنظريات على تلك الفرضيات وإنما كان ناقدوهم يؤدون دوراً توعوياً لهم.

               

ثالثاً: التبني المطلق لهذه الترجمات، فعلى الرغم من الأفكار تنمو على أساس النقاش العلمي والملاحظات المسجلة على الأفكار لا سيما ما كان وليداً جديداً منها، ولكن هؤلاء أصبحوا يتعاملون مع هذا الوليد على أنه يعنيهم تماماً وأن المسّ به يعتبر تعدياً غير مقبول، ولذا احتدوا في الدفاع، ومهاجمة الناقدين لهم.

               

رابعاً: الترجمة التجزيئية، فكل واحد من هؤلاء اتخذ من مدرسة في الغرب نموذجاً وبدأ بترجمة أفكارها وتطبيقها مغفلاً تماماً أن هذا النص هو نتاج أفق فكري محدد المعالم، لم يكن وحيد أسرته وبيئته، بل ثمة رفاق له لا يمكن فهمه مجرداً عنهم، وبهذا كانت الترجمة تعاني من نقص آخر يضاف إلى ما سبق ثانياً.

               

خامساً: إغفال النقد المرافق لهذه الأفكار والنظريات، فالأفكار في بيئتها لم تسلم من نقد أبناء تلك البيئة لها، وبأدوات تلك البيئة، وقام أصحاب العمل الترجماني بنقل الأفكار من مصادرها مغفلين ما كتب أو صنف نقداً وتمحيصاً لها، بل قد تكون ليست بذات رواج في عالمها ذاك، ولكنها أصبحت أمهات وخطوطاً عامة في عالمنا بعد الترجمة.

               

الإطار الثاني: المواكبة الفكرية المطلوبة

               

لا يمكن رفض مطلوبية المواكبة لما يقدّمه الغرب من أفكار، سواء أكانت تلك الأفكار موجهة بالفعل إلى عالمنا الفكري أو لم تكن كذلك بل كانت بسبب احتياجات خاصة لدى الغرب ولكنها سوف تمتلك تأثيرها مستقبلاً علينا، فمن نام لم ينم عنه.

               

ويمكن وضع المواكبة المطلوبة ضمن الأمور التالية:

               

أولاً: المتابعة التفصيلية والسبّاقة للأفكار المطروحة غربياً، وذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال اهتمام مجموعة من الباحثين يمكنها بالفعل أن ترصد النتاج الغربي الجديد بكل تفاصيله سواء لناحية الموضوعات التي يطرحها والتي تشكل أهمية لديه أو لناحية الموضوعات ذات الصلة بالفكر الإسلامي والتي يكون باب انتقالها مفتوحاً.

               

ثانياً: الاستفادة من المتابعة التفصيلية في عملية النقد البناء لهذه الأفكار وذلك من خلال تشذيبها أولاً، فليست وظيفة الدفاع عن فكرنا الإسلامي تقتصر على أن ترد تلك الملاحظات والإشكاليات المثارة علينا، بل أن نوغل في البحث عنها دفعاً لورودها، وتحصيناً لساحتنا الفكرية.

 

ثالثا: ضرورة الإنصاف في التعامل مع الفكر الغربي، فما كان منه مقبولاً ومستدلاً عليه ومنسجماً مع الأطر الإسلامية العامة وما يكون مفيدا في تطوير الفكر الاسلامي يكون مقبولاً لدينا، وهذا يعني أن نخرج من حاكمية فكرة الرفض المطلق إلى فكرة القبول الجزئي حذراً من وقوع بعض مفكرينا تحت هيمنة القبول المطلق.

 

رابعاً: العمل على نقد الفكر الغربي بأدواته ومن داخله، وذلك متى كانت المبادرة من قبلنا للتعرف إلى ذلك النتاج سريعة، فإنها بذلك تؤهلنا لكي نكون أكثر فاعلية وحضوراً في المعالجة المسبقة قبل أن يتلقفها بعض الأقلام للاستفادة منها دون تعمق في مفاداتها ولوازمها.

               

لا شك في أننا مقصرون في هذه المواكبة المطلوبة كثيراً، ولو أننا تمكنا بالفعل من أن نسهم بالقدر الممكن لأمكن أن نستعيض عن عملية الاتهام للآخر بالانحراف ببيان نقديّ واضح وصحيح وبأسلوب علمي لكل الأفكار المطروحة ومعالجتها بجدية.

                                                       

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

 

فصلية المنهاج / العدد ٧٢

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد