لقاءات

رائد أنيس الجشي: الشعر سلم لا تنتهي درجاته ومراقيه

 

نسرين نجم ..

بينه وبين الكلمات كيمياء خاصة، أنتجت إبداعات شعرية عالمية، فلا حدود ولا جنسية للكلمة عنده، فقد استثمرها لإبراز التنوع والثراء الفكري، فكان كيميائيًا شعريًا بإمتياز، عرف كيف يحّبك قصائده المترجمة لصالح إغناء الأدب العربي، إنه الشاعر رائد أنيس الجشي، الحاصل على بكالوريوس في الكيمياء من جامعة الملك فيصل، والذي نال الزمالة الفخرية في الكتابة الدولية من جامعة أيوا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ضيف مقيم فيها منذ عام 2015، صدرت له رواية واحدة  ترجمة لشعر هولندي حديث، إضافة إلى ثماني مجموعات شعرية وديوان باللغة الانكليزية، تُرجم له ديوان إلى الفرنسية، ونصوص أخرى إلى الانكليزية، أما بالنسبة لآخر أعماله الصادرة فهي: "الطين في كهف نيتشه"، "تكوين لذاكرة الهوى" النسخة العربية، وأنطولوجيا من الشعر الدولي المعاصر ستصدر قريبًا بعنوان:" نهر أيوا-13 دولة، مدينة، شعر".

بدأ الأستاذ رائد أنيس الجشي مشواره مع الترجمة المعاصرة كما يقول إنطلاقًا من "القراءة للشعر المترجم للمتعة والاستفادة الخاصة،  من ناحية توسيع المدارك والرؤية من شخوص وعوالم مختلفة تشترك في الحالة الانسانية.  ومع قراءة النصوص الأجنبية بلغتها أو باللغة الإنكليزية البسيطة، شعرت بحميمية مع بعض النصوص، ولاحظت تقنياتها المعاصرة، وأحببت أن أكون فاعلًا في زيادة ثراء الأدب العربي والشعر خصوصًا بتغذيته بروافد تستحق الترجمة من نتاج شعراء الدول الأخرى، ممن أعتقد أنهم سيقدمون إضافة إلى الأدب العربي الثري.  وقد انصب تركيزي على الأدب المعاصر، كون العصور الماضية نال كثير منها حقه في الدراسة، بينما غابت الدراسة والمقارنة والاستفادة عمّا يكتب حاليًّا في الدول الأخرى، وقبل سنوات عكفت على ترجمة مجموعة من النصوص المكتوبة بأصل هولندي، وترجمت ببراعة للإنكليزية، ومن الجميل أن بها شاعرين عربين مميزين، وأسميت المجموعة  "جيران أسفل الدَرج"، وقد انتهيت قبل أسابيع من إعداد أنطولوجيا من الشعر الدولي المعاصر ل ١٢ دولة مختلفة، ومن المتوقع أن يرى النور قريبًا".

ويعتبر الجشي أن توجهه نحو ترجمة الشعر لا يعني بأن الشعر العربي لم يلبّ ما يطمح: "لا بل الهدف هو خدمة التنوع في الشعر العربي، وزيادة ثرائه ثراءً، ومن الطبيعي جدًا بأن يقدم الشعر المترجم إلى العربية رؤى مختلفة، لذلك فترجمة الشعر الدولي إلى العربية هو من ضمن اهتمامي بالأدب العربي وخدمته وطموحي للمساهمة في دفعه إلى اعلى مستوى ممكن".

 وبالحديث عن ديوانه الأخير "ألواح الطين في كهف نيتشه" لماذا اختار نيتشه، يجيب الأستاذ الجشي: "لأن فكره كان يحدث لدي صراعًا فكريًّا، وهذا الصراع الفكري الذي يهتم بالفهم والتفهم والمزج والمقارنة، يجعلني في حالة شعورية خصبة للكتابة.   في البداية لم أفكر بكتابة هذا العمل،  ولكنني كلما قرأت لنيتشه، أجد نصًا أدبيًّا يتولّد من امتزاج فكره وتصارعها مع ما لديه من تراكم ثقافي، يجعل الأسئلة تتولد، وحالة الشك والأسئلة هي حالة شعرية بامتياز على عكس حالة اليقين بالإجابات،  ولأنني كنت عاكفًا تلك الفترة على أعماله ، فلم أمنع نفسي من الاستفادة من تلك الحالة في كتابة ما تولد لدّي أثناء القراءة من أفكار".

هذا كله دفعنا إلى سؤاله عما اكتشفه ووصل إليه عندما وقف أمام شخصية فيلسوف الظن فأجاب:"ثمة صفة مشتركة بين فلسفة الظن  والتفكيك وبناء النص الأدبي الذي كنت أمارسه في دراسة وتحرير أو ترجمة النصوص، فما وصلت له على الصعيد الشخصي، هو بعد صغير ومخفي في ذات ألواح الطين،  ولأختصره لست نيتشويًا أو لا نيتشوي، إلا إنني أحترم فكرا يحدث بي تغييرا سواء بمخالفته أو بموافقته أو الخروج منه بفهم آخر، وهذا كله حدث."

ولا بدّ من الإشارة إلى أن الشاعر رائد أنيس الجشي،  حصل على جائزة مهمة عن ديوانه "النورس" باللغة الانكليزية، وحول هذا الموضوع يقول الأستاذ الجشي: "الديوان كما يصفه بعضهم يرصد ٨٨ حالة من حالات الإنسانية التي تكسر القلب بهجة أو حزنًا، ونصوصه القصيرة نسبية تحدث أثرًا  يستمر لفترة، النصوص هي ضمن نتاج كتابي استمر منذ سبع سنوات انتقيت منها ما يناسب الموضوع، والهدف المراد منها من رؤية الآخر، محاولة المشي في حذائه، تفهمه، ثم التحليق بعيدًا عنه".

 وحول مدى اهتمام الغرب بشعراء العرب يقول الأستاذ الجشي:" ليس لدي اطلاع كاف لأجيب، لكن هناك حركة ترجمة للأعمال الأدبية الفائزة ببعض المسابقات الكبرى في الرواية مثل "البوكر"، ويتم الاحتفاء بها، وهناك ترجمات للشعراء المعروفين دوليًا، أو المقدمين لأعمال متميزة محليًا، ومؤخرًا كانت هناك ترجمة لنصوص أدونيس من قبل جامعة يال، حيث قدمت الجامعة نصًا انكليزيًا لا بأس به، وإن كان به الكثير من الأخطاء".

وبسؤالنا عن مدى تعبير الشعر عن هويته أجاب: "الشخصية جزء مهم في النص الشعري، وإن كانت متأثرة ومؤثرة به، إلا أن الشعر ليس مذكرات شخصية لتكون ظاهرة تمامًا بها، بل هي مخفية في الرؤية والتفاصيل، وقد تظهر بنقيضها احيانًا".

وبالانتقال إلى حال الشعر، وإذا ما كان له من أهمية ومكانة عند فئة الشباب، سيما في عالمنا الآن عالم الأفكار المعلبة والمستوردة والافتراضية يقول الجشي:" أهمية الشعر في كونه أقصى ما يمكن الوصول إليه من كمال لغوي بشري، والأدب بشكل عام كونه يقدّم للشباب تجارب الآخرين مسبقًا، ويقدمها لهم دون ضغط أو نصح ،بحيث يتغذى عليهم دماغهم، وعندها سيتصرفون بأخلاقيات وردات فعل مشابهة لما اطلعوا عليه، وتفاعلوا معه، وإن لم يربطوا بين الحدثين، لأنه ترسخ في دماغهم مسبقًا ومنذ زمن،  فنعم أعّول على أهميته التكاملية الفكرية والأخلاقية والروحية للشباب، وألاحظ إقبالًا منهم على القراءة والتحليل."

وبالحديث عن نشاطاته الحالية والمستقبلية يقول :" حاليًا أُنهي مشروع أنطولوجيا ترجمة شعر دولي لشعراء دوليين التقيتهم أو تعرفت على نتاجهم عن طريق الشعراء الآخرين،  ولدي مشروع ترجمة طويل مستمر، يقوم على فكرة أن أنشر شهريًّا عن شاعر حي معاصر، وأعمل على تطوير الدورات التدريبية المجانية أو ذات السعر الرمزي في الكتابة الابداعية ".

 أما نصيحته للشباب الذين هجروا الشعر، ولمن شرعوا في صعود سُلّمه : "غالبًا هناك من يهجر الشعر لأنه ملّ من تكرار النصوص المنظومة الشائعة والمتداولة في المحافل، ولذلك هو بالغالب هجر النظم لا الشعر، وأقول له ابحث عن الشعر الحقيقي المغاير الذي يدهشك بسبب ما يقدمه من تجديد، ولمن بدأ بصعود السلالم، أنصحه بالاطلاع على قراءات الآخرين، ودراستهم والاستمتاع بها وتحليلها، والسعي للتعلم وتطوير الذات، فالشعر سلم لا تنتهي درجاته ومراقيه، ومن توقف واستمر على ذات المنوال فقد مات حيًا في درجته،  ولإن الشعر نتاج تراكم ثقافي ومعرفي ورؤيوي، فغذوا المنبع بتجاربكم وتجارب الآخرين من قراءة واطلاع". 

وقد اخترنا له من مجموعته الشعرية :" ولكنه الشمس": قصيدة :

مدد بين ضفيرتين"

يا أيها الراعي

ربيعك أنَّ بين ضفيرتيك

فمدَّ أبيضك المجنح

يستحيل رماده

أحلامَ فاكهة وأبَّا

واسرح به

كفاك تمتلك الزمام أصابعاً

فيها الحصى

باسم الهوى والعشق

لبى

ومضى كظبي من سلامٍ

ما حكت عيناه

إلا لحظه

عَجَباً  عُجْبا

يسري ولحن الغيم

عشقاً يستظل بدفء نوركَ

أتقن العزف المكثَّفَ

فوق خطوكَ

واستمات عليه سكبا

 حلمًا سيبزغ منه

وعل الحلم

مخضراً

لينفث زهره أملاً

ويمسح عطره

قلقاً ورعبا

يا أيها الراعي

وأنتَ مدثر بعباءة الإحباءِ

بالفيض/ النبوءةِ

بالقناديل/ البدور

وما أراد الرب

من أدب المسير

وما أحبَّ

إسراء حبري

لا يجيز عروجه

إلا هواكَ

وقد أتاك معطِّراً

نبض المودة

باسم قربى

هلا مددت إليَّ كف بصيرة

آتيك آمالاً

وأحلاماً وأشعاراً وقلبا

آتيك

تكسر ألف مخلب ثعلب

قد بات في لغة الرغاء

عليَّ ذئبا

آتيك

سكري فيك ترياقي

وصحوي فيك

سكر صبابة

أضحت تسبح فيكَ

في عينيك ربَّا”

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد