
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾(1).
الغرام يأتي بمعنى اللازم أو الـمُلازم غيرِ المفارق، يُقال حبٌ غرام أي لازم، ويُطلقُ وصف الغرام على الحبِّ االـمُلازِم لواجده، ومنه قولهم فلانٌ مُغرمٌ بفلان أي أنَّه مشغوفٌ به لا يصبرُ على فراقه، ومن ذلك يُقال للمطلوب بدينٍ إنَّه غارم كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ .. وَالْغَارِمِينَ﴾(2) فالغارمون هم المطلوبون بدينٍ، فلأنَّ الدَّين حقٌّ لازم في عهدة المدين لذلك صحَّ وصفُه بالغارم أي الملزوم بالدين، ويُقال لصاحب الدَّين غريم، أو يُطلق الغريم على كلٍّ من الدائن والمدين، لأنَّ كلاً منهما يُلازم الآخر، فالدائنُ يلازم المدين ولا يفارقه حتى يستقضي منه دينه، والمدين مُحتبس بدينه ويظلُّ ملزوماً للدائن حتى يقضي له دينَه.
ويُوصفُ الدَّين بالـمَغرَم وكذلك الدية المستحقَّة والضمان والنفقة اللازمة عرفاً أو قانوناً، ومنشأُ وصف كلِّ ذلك بالـمَغرَم هو أنَّ كلاً منها نفقةٌ ملزمة، والمطالَبُ بها محتبِس وملزوم بأدائها لا على وجه البذل عن طيب نفس أو المعاوضة، لذلك لا يُطلق وصف الـمَغرم إلا في فرض الإنفاق اللازم والمكروه، فالمطالب به ملزومٌ بأدائه على وجه الكراهة.
ومن ذلك يتَّضح معنى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾(3) فإنَّ مفاده هو أنَّ بعض منافقي الأعراب يعتبر إنفاقَه في سبيل الله أو في وجوه الخير مَغرماً أي نفقة ملزِمة وخاسرة، إذ لا عائد -بنظره- من ورائها، فهو لا يُؤمن بالثواب وبالآخرة، لذلك هو يشعرُ بالكراهة والاستثقال، لأنَّه ملزمٌ بالإنفاق لبعض الاعتبارات الاجتماعية، كالخشية من وصمه بالنفاق أو البخل، فمثل هذه الاعتبارت ألجئته للإنفاق، فهو يشعر بالاستثقال والكراهة لأنَّه يُنفقُ نفقة خاسرة، إذ لا عائد -بنظره- من ورائها، وهذا النحو من النفقة هي التي تُوصف عادة بالمَغرم.
وهذا المعنى هو المراد -ظاهراً- من الـمَغرَم في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾(4) أي لو سألتهم وطلبتَ منهم أجراً مقابل تبليغ الرسالة لشعروا بالكراهة والاستثقال لأنَّه من الإلزام بنفقة خاسرة، إذ لا عائد بنظرهم من ورائها، وذلك لعدم إيمانهم بالعِوَض الأخروي.
وقريبٌ من ذلك معنى قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ / لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ / إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾(5) أي لو تحطَّمت زروعكم لتلاومتم وقلتم: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي ضاعت أموالُنا ونفقاتُنا على هذه الزروع دون عائدٍ أو أنَّه صرنا بتلفِ زروعِنا مُلزمِين بأداء نفقاتِها دون عائدٍ.
وممَّا ذكرناه يتَّضح أنَّ الجامع لمدلول كلمة الغُرم بتمام مشتقاتها هو الشيء اللازم الذي يكون ممقوتاً إمَّا لأنَّه بلا عائد أو لأنَّ تبعاتِه باهظة أو ضارَّة أو مسيئة.
وعليه يكونُ المستظهَر من معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ هو أنَّ عذابَ جهنَّم جزاءٌ لازم لا يُتاح لمستحقيه الانفكاك والخلاص منه فهو كالدَّين الذي لا خلاصَ للمشغول به دون أدائه، فهو يشعرُ بثقله لأنَّ منفعته قد ذهبت فأصبح مُلزماً بنفقةٍ لا ينتظر من ورائها منفعة، كذلك هو عذابُ جهنَّم فهو جزاءٌ لازم على معاصٍ ذهبت لذتها وبقيت تبعاتها.
ولعلَّ هذا المعنى هو المراد ممَّا روي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يقول: ملازما لا يفارق"(6).
وذكر بعضُ المفسرين أنَّ المراد من وصف الآية عذاب جهنَّم بأنَّه كان غراماً هو أنَّه كان شديداً، فإنَّ الغرام قد يُستعمل في كلام العرب بمعنى الشدَّة لذلك قد يُقال لمَن أصابته نائبة من نوائب الدهر إنَّه وقع في مَغرم يعني في شدَّة، وقد يُستعمل الغرام بمعنى الخسران، فيكون مفادُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ هو أنَّ عذاب جهنَّم كان خُسراناً لمَن حُكم عليه بدخولها.
ولعلَّ وجهَ المناسبة بين الشدَّة وبين التعبير بالغرام هو أنَّ الشيء الملازم إذا كان ممقوتاً يكونُ شديداً وثقيلاً على النفس، لذلك قد يتمُّ التوسُّع فيُطلق الغرام على كلِّ ما هو شديد على النفس وكان تحمُّلُه ثقيلاً وباهظاً، وأمَّا وجه المناسبة بين الخسران وبين الغرام فهو أنَّ الشيء الملازم الممقوت والذي يجرُّ باهظاً وضرراً بليغاً يكون في واقعه من الخسران لذلك ناسب وصف الخسران بالغرام.
وعليه فالظاهر أنَّ من فسَّر الغرام بالشديد أو بالخسران أراد من ذلك الإشارة إلى أثر الغرام وصفته فهو شديد وثقيل على النفس، وهو في واقعه خسران.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الفرقان / 65.
2- سورة التوبة / 60.
3- سورة التوبة / 98.
4- سورة الطور / 40.
5- سورة الواقعة / 64، 66.
6- تفسير القمي -الشيخ علي بن إبراهيم القمي- ج2 / ص116.
مجسّات النص الشّعري وكبسولات الرّؤيا
هادي رسول
نكِّروا لها عرشها
الشاعر هادي رسول
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
السّيّدة زينب: جوهرة عقد الإمامة
حسين حسن آل جامع
غواية ثبات وذريعة حضور
محمد أبو عبدالله
حفرة معدن الطّيب
علي الخويلدي
نغم محطّم
زكي السالم
ضوضائي العظمى
حبيب المعاتيق
أولى انتصاراتي أن أريدا
أحمد الرويعي
مقام الحبّ
فريد عبد الله النمر
معارج الشّوق
زهراء الشوكان
لا تقتلوه
إبراهيم بوشفيع
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
أمسية شعريّة للعطيّة والجميعة
الحمّادي يحقّق المركز الثاني في أدب الأطفال بجائزة راشد بن حميد
اختتام فعاليّات النّسخة التّاسعة عشرة من حملة التّبرّع بالدّم «نِعْمَ الجود»
«إعادة تشكيل عالمك الدّاخليّ» محاضرة للرّاشد في البيت السّعيد
المركز الثّاني لعلي آل قمبر في جائزة راشد بن حميد
العسيّف يوقّع في باريس كتابه الجديد
الشّيخ العبدالله يستعرض العلاقة بين الغذاء وصحة الإنسان في عرش البيان
اللّؤلؤة ورمزيّتها للخلود عند سكّان الخليج
(كائنًا ما تكون) جديد الكاتب والشّاعر فاضل الجابر
(ابتهالات ثقافيّة) كتاب يوثّق رحلة ملتقى ابتهال الثّقافيّ في الأحساء