
المترجم: عدنان أحمد الحاجي
كثيرًا ما يُصوَّر الحزن على أنه عاصفة من الكآبة، أو رحلة عبر الألم، أو مسار خطي عبر مراحل مختلفة من إنكار الفقد والانتهاء بالرضوخ والقبول. لكنّ دراسات علم الأعصاب الأخيرة تُقدّم فهمًا أعمق وأكثر تفصيلّا ودقة يغفل عنها معظم الناس، حيث يعتقد معظم الناس أن الحزن هو ألم وبكاء يمر بمراحل مختلفة حتى تقبّل الفقدان في النهاية. لكن هذه الصورة ناقصة ومضللة بعض الشيء.
فالحزن ليس مجرد ألم، بل هو خليط من التعلق بالفقيد والشوق إليه والدافع للالتقاء به، وإصرار لا يتزحزح من الحب والشوق الجارف للفقيد المستمر، ذلك لإن الدوائر العصبية في الدماغ المتعلقة بذلك لا تتوقف بمجرد رحيل الشخص. الحزن، في جوهره رد فعل طبيعي على الفقد، وله تبعات واسعة النطاق على الجوانب الانفعالية والإدراكية والبدنية والسلوكية، وحتى الروحية، لحياتنا.
لا نشعر بالحزن فقط عند رحيل شخص عزيز، بل عند فقدان أي شيء مهم حدث أن كان جزءًا من حياتنا أو هويتنا، ومنها العلاقات العاطفية (انفصال، طلاق، أو انتهاء صداقة) وهوياتنا وشخصياتنا السابقة (ما كنا عليه في السابق سواء أكانت تتعلق بالصحة أو بالمنصب أو بنمط حياة اعتدنا عليه)، والمستقبل الذي كنا نتطلع إليه ونحلم به. ذلك لأن دماغنا اعتاد على هذه الأشياء، باعتبارها جزءًا من كياننا وطريقة سير حياتنا. وبعد فقد مثل هذه الأشياء، يشعر الدماغ بنفس نوع الفقد كما لو أنه يشعر بفقدان عزيز.
لأن أنظمة الدماغ المسؤولة عن الحزن هي نفسها المسؤولة عن الرغبة، والتعلق والشوق، لذا، فإن الحزن أقرب، من الناحية العصبية، إلى الشوق أكثر من مجرد حزن عليه، لأن كل هذه الأمور تنطوي على تعلق بنى عليها الدماغ توقعاته. يُفعّل الدماغ، أثناء الحزن، دوائر التعلق العصبية، ويستمر في توقعه (ذاكرنه) بوجود الفقيد ويحاول تحديث نموذجه الداخلي بإدراكه بواقع الفقد والتكيف معه.
دراسات علم الأعصاب في الحزن تصور الحزن على أنه ليس مجرد ألم نفسي بسبب الفقد (1)، بل عملية نفسية معقدة تعتمد على عدة مناطق دماغية، ليس فقط تلك المسؤولة عن معالجة الألم، بل أيضاً تلك المرتبطة بالشوق والدافع والتعلم. لهذا السبب، قد يبدو الحزن مزيجاً من الانفعالات والأحاسيس البدنية، لا مجرد حزن.
يُعدّ الحزن شكلاً من أشكال عملية مؤلمة، لكنها ضرورية، يعمل الدماغ أثناء تكيفه مع الحياة بعد الفقد على إعادة تشكيل نفسه لتحديث خريطته الداخلية. وخلافاً للاعتقاد الشائع، لا يتجاوز الدماغ هذا الفقد ببساطة، بل يُعيد تشكيل روابطه العصبية لاستيعاب هذا الفقد.
يُنشّط الحزن مناطق الدماغ المرتبطة بالألم النفسي (1) ونظام المكافأة (2) في الدماغ. ومن أهم هذه المناطق النواة المتكئة (3)، وهي مركزية بالنسبة إلى دائرة المكافأة في الدماغ وغنية بنشاط الدوبامين (تحتوي على خلايا عصبية دوبامينية، أو مستقبلات دوبامينية أكثر، أو إشارات دوبامينية عالية). تُفيد الدراسات بأنه بالرغم من أن جميع المفجوعين لديهم نشاط دماغي مرتبط بالألم، فإن نشاط النواة المتكئة يصبح قويًّا لدى أولئك الذين يُعانون من حزن مُزمن أو مُعقّد عند تذكيرهم بالفقيد (صور، أماكن، وما إلى ذلك) (4).
لذا، لا يخفف من وطأة الحزن أو يبعث على الطمأنينة، بل يثير في النفس الم الشوق الأشبه بالإدمان ورغبة شديدة لدى المفجوعين في الفقيد وشعورًا أكثر بالتعلق به، وربما توقع لقائه، ما قد يُبقي الدماغ عالقًا في الحزن والتفجع محاولًا استحضار الشخص كما لو كان حيًّا. وهذا يُصعّب من عملية التخلص منه والمُضي قدمًا. بعبارة أخرى، يتصرف الدماغ كما لو أن بالإمكان عودة الفقيد إلى الحياة مرة أخرى، وهذا من شأنه أن يثير الشوق، والرغبة الشديدة، والحنين للفقيد، لا مجرد الحزن عليه، ولذلك يقع الدماغ في حلقة مفرغة من الشوق والألم تشبه آلية عمل حلقات الإدمان المفرغة إلى حد كبير.
لماذا يُشبه الحزن التوق الشديد: حلقة الدوبامين العصبية
تخيّل أنك تسير في صحراء شاسعة، عطشانًا ومرهقًا، فترى الماء يتلألأ في الأفق. وتفعم بالأمل، فتهرع نحوه، لتكتشف أنه مجرد سراب. يتكرر هذا المشهد مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة تسعى وراءه. هكذا هو الشعور بالحزن. فهو ليس حزنًا سلبيًّا (شعور بالحزن داخلي هادئ)، بل توق ورغبة جامحة ومستمرة في البحث عن فقيد رحل، كان وجوده يمنح الراحة والرضا (بفضل هرمون الدوبامين، هرمون التعلق والبحث). وهذا يعني أن الحزن ليس مجرد كآبة، بل هو دافعٌ نحو هدف مبرمج في الدماغ، لا يتوقف، بل يستمر يدور في حلقة مفرغة على أمل أن يجد ما يبحث عنه، وكأنه يطارد سرابًا في صحراء. يشعر بالأمل للحظة، ثم يصطدم بالواقع مجددًا - لقد رحل، وتبدأ الدورة من جديد. لهذا السبب قد يكون الحزن مزعجًا، ومُلحًّا، ومُرهقًا - لا مجرد حزنٍ بسيط.
تتكرر صورة اللقاء الذهنية هذه بالفقيد وتراود الدماغ باستمرار. ولذا يستمر في استحضار مشاهد للفقيد، تتمثل، مثلًا، في تخيل رؤيته، أو سماع صوته، وفي كل ذلك تشعر بالحزن. هذه الرغبة الجامحة في الدماغ والحاجة إلى التواصل مع الفقيد مرة أخرى، تغذيها نفس الدوائر العصبية التي تدفعنا في حياتنا اليومية. يكمن جوهر هذا النظام في الدوبامين، وهو ناقل عصبي لا يقتصر دوره على توليد المتعة فحسب، بل يغذي أيضًا دافع البحث والرغبة والسعي، وهي نفس الدوائر العصبية التي تدفعنا للبحث عن الطعام، وتشبيك هواتفنا لرسائل أو اتصالات جديدة، والسعي وراء الإدمان. ولهذا السبب قد يشبه الحزن الإدمان في الدماغ، حيث ينطوي كلاهما على اضطراب مسارات المكافأة ورغبة مستمرة في البحث عن المتعة في الحياة اليومية.
في حالة الحزن، يبقى هذا النظام نشطًا حتى عندما يكون اللقاء مستحيلاً، ما يخلق حلقة مفرغة من الشوق والتوق إلى اللقاء بالفقيد. تتبادر هذه الأفكار إلى الذهن تلقائيًا لأن الدماغ ما يزال يتوقع وجوده. الحزن بصفته شكلّا من أشكال التعلم: اللدونة العصبية (5) والتكيف (6).
في الوقت نفسه، يُعدّ الحزن عملية تعلم. يتكيف الدماغ تدريجيًّا مع حقيقة أن الشخص أو الشيء الذي فقدناه قد رحل بالفعل. يتطلب هذا وقتًا وتغيرات في بنية الدماغ، ويحدث على مراحل، وغالبًا ما يتخلله انتكاسات. أفاد الباحثون يأن الحزن أشبه بصراع بين ما نعرفه - رحيل من نحب - والذكريات التي ما تزال ماثلة أمامنا (7). ذكريات السنوات الطويلة والعلاقات العاطفية، جميعها مبنية على افتراض أن هذا الشخص موجود بيننا، ولذا تظل راسخة في المسارات العصبية، ولا تختفي بمجرد العلم بالرحيل.
لذا، الحزن هو عملية تعلم (تكيف) بالفعل، حيث بكرر الدماغ حالة الفقد مرارًا حتى يتمكن أخيرًا من إعادة صياغة نموذجه الداخلي للواقع المعيش. وهذا راجع لما يتمتع به الدماغ من لدونة عصبية، متمثلة في قدرته على إعادة تنظيم نفسه، وكذا في قدرته على التكيف، والمتمثل في تغييره لتوقعاته تدريجيًّا لتتوافق مع الواقع الجديد. هاتان العمليتان بطيئتان وتأخذان وقتًا، بيد أن المدة تختلف من شخص إلى آخر. هذه العملية المستمرة تساعد في تفسير سبب طول مدة الحزن، وصعوبة تجاوزه بالنسبة للبعض. بيد أنه ومع تكرار هذه العملية، تضعف المسارات العصبية القديمة وتتشكل مسارات جديدة بعد مدة قد تطول وتقصر بحسب الشخص، وذلك راجع لقوة أو ضعف الروابط العصبية ولعددها في الدماغ التي تحتاج إلى إعادة تشكيل. إذن، طول مدة الحزن راجع لأن الدماغ يُؤدي مهمة إعادة تنظيم وتكيف صعبة وبطيئة.
الخلاصة: فهم الحزن من خلال علم الأعصاب
الحزن ليس مجرد شعور، بل عملية دماغية تأخذ وقتًا لإعادة استيعاب الواقع بعد الفقد.
الحزن تجربة إنسانية بالغة التعقيد. فهو يشمل مناطق دماغية متعددة، لا سيما تلك المرتبطة بالمكافأة والتحفيز والألم النفسي، مما يجعل العملية صعبة ومؤلمة. لا يتمثل رد فعل الدماغ الطبيعي للفقد في النسيان فحسب، بل في التعلم (التكيف) التدريجي والمتكرر للتعايش مع الفقد. يتطلب هذا التعلم وقتًا ولدونة عصبية وجهدًا متواصلًا لإعادة تنظيم طريقة تفكيره وشعوره وتوقعاته بصورة تدريجية. وهذا يتطلب طاقة ووقتًا، لا يشعر المحزون بتحسن مستمر. ففي بعض الأيام يشعر بتحسن، وفي أيام أخرى ينتكس ويعود ألم الفراق بقوة، وهذا أمر طبيعي، ويفسر لماذا يظهر الحزن غالبًا على شكل موجات.
إن فهم استجابة الدماغ للحزن يساعدنا على أن نكون أكثر لطفًا مع أنفسنا ومع الآخرين، مدركين أن الحزن ليس مشكلة يمكن الشفاء منها، بل عملية طبيعية للتكيف مع الفقد. الهدف ليس التوقف عن الشعور به، بل تعلم للتكيف وللتعايش معه.
إذن الحزن هو إعادة برمجة الدماغ نفسه ببطء لتقبل واقعًا جديدًا ومؤلمًا، وهذا يتطلب وقتًا وصبرًا وتعاطفًا مع النفس.
نصائح: كيف تدعم دماغك الحزين
إذا شعرت بالحزن، فتذكر أنه استجابة طبيعية صحية ومتوقعة على الفقد. الحزن ليس مرضًّا يشفى منه، بل تجربة يجب تجاوزها.
يتجلى الحزن تدريجيًّا، وغالبًا ما يكون على شكل موجات أو تقلبات في المشاعر غير متوقعة، تشتد أحيانًا وترتخي أحيانًا أخرى.
يحاول الدماغ التعلم والتكيف مع فقدان شخص عزيز أو مفقود له معنى عميق - سواء أكان المفقود شخصًا، أو علاقة (الطلاق، مثلًا)، أو تحولاً في الهوية، أو تغيرات كبيرة في الحياة (7). قد يكون هذا التعلم بطيئًا، ومرهقًا، ومؤثرًا من الناحية العاطفية. يحتاج الدماغ إلى وقت للتكيف، ويحدث هذا التكيف تدريجيًّا. الحزن لا يتطور ويصل إلى ذروته بشكل خطي، بل يأتي على شكل موجات، قد يختفي في لحظة وقد يشتد في لحظة أخرى، وهذه هي طريقة الدماغ في معالجته للفقد. لذا ينبغي التحلَّي بالصبر وليس هناك اسلوب واحد "صحيح" لممارسته. يختلف تكيف الدماغ باختلاف الأشخاص، لذا تعتبر مقارنة الشخص حزنه بحزن آخرين مقارنة ليست موفقة.
حاول، كلما أمكنك، الانخراط برفق في أنشطة تساعد دماغك على تكوين مسارات عصبية جديدة، وتخيّل كيف ستعكس واقعك الحالي. هذا لا يعني إجبار نفسك على "تجاوز الحزن" أو التظاهر بأن كل شيء أصبح على ما يُرام. بل يعني منح دماغك فرصًا بسيطة لتجربة حياة جديدة بعد الفقد. قد يتطلب ذلك تغييرًا بسيطًا، مثلًا:
· إعادة ترتيب بيئة البيت التي خزّنها الدماغ باعتبرها جزءّ من حياة الفقيد السابقة. ومن ذلك تغيير أماكن الأثاث، أو تغيير مكان الجلوس أو النوم أو مكان طاولة الطعام، أو إزالة أو نقل الأشياء التي تذكر بالماضي، أو إضافة شيء جديد (شجرة، مصباح كهربائي، أو لوحة فنية) أو إضفاء طابع جديد على البيت، وهذا التغيير مفيد لأن هذا من شأنه أن يكسر أنماط الذاكرة المكانية القديمة.
· زيارة أماكن جديدة من شأنها أن تجبر الدماغ على رسم خريطة للمحيط الجديد بدلًا من استعادة خرائط الذاكرة القديمة.
· تعلم شيء جديد من شأنه أن يُكوّن روابط عصبية جديدة لا علاقة لها بالفقد.
· أو الارتباط بشخص. من شأنه أن يغير الذاكرة الاجتماعية القديمة المرتبطة بالفقيد ويُكوّن ارتباطًا عاطفيًّا جديدًا.
هذه اللحظات البسيطة من التجديد في البيئة أو النشاط أو الروتين يمثل أهمية عاطفية أو شخصية تساعد الدماغ على البدء في الاستيعاب والتأقلم مع الواقع الجديد بعد الفقد.
فالهدف ليس استعادة ما فقدته، بل مساعدة دماغك على تقبّل أن الحياة أصبحت مختلفة، وتُهيّئ له المجال تدريجيًّا لما هو موجود في الوقت الراهن، ولما قد يكون ممكنًا في المستقبل. فالأمر يتعلق بالتأقلم بلطف مع الوضع الراهن وبشكل تدريجي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/ألم_نفسي
2- http://https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/نظام-المكافأة-في-الدماغ/
3- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/نواة_متكئة
4- https://linkinghub.elsevier.com/retrieve/pii/S1053811908006101
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/لدونة_عصبية
6- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/تكيف
7- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S1053811908006101?via=ihub
المصدر
معنى (هجد) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
في وجوب التنظير من أجل هندسة معرفيَّة لتفكير عربي إسلامي مفارق (1)
محمود حيدر
علم الأعصاب وفهم ما يحدث في الدماغ أثناء الحزن والفقد
عدنان الحاجي
مناجاة المريدين (7): على المُقْبِلين عليه مُقْبلٌ
الشيخ محمد مصباح يزدي
حتّى ظهور الشمس (2)
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
عاقبة البهتان
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
العبادة على سبعين وجهًا
الشيخ مرتضى الباشا
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
الإمامُ السّجّاد سراج محاريب الأسحار
حسين حسن آل جامع
إلى سادن السّماء
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
قراءة في كتاب: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء
(بصمات باقية) كتاب إلكترونيّ جديد للشّاعر والرّادود عبدالشّهيد الثّور
معنى (هجد) في القرآن الكريم
مزايا القرآن الكريم
في وجوب التنظير من أجل هندسة معرفيَّة لتفكير عربي إسلامي مفارق (1)
علم الأعصاب وفهم ما يحدث في الدماغ أثناء الحزن والفقد
مناجاة المريدين (7): على المُقْبِلين عليه مُقْبلٌ
حتّى ظهور الشمس (2)
(الحكمة في التّوازن) محاضرة في الأحساء للدّكتورة زهراء الموسوي
معنى (همس) في القرآن الكريم