
المسألة:
قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}(1) كيف يُنسب اليأس للرسل (ع) وهم العالمون بالله تعالى وبصدق وعده بالنصر وبأنَّه لا يخلف وعده؟!
الجواب:
متعلَّق اليأس ومرجع الضمير في ظنُّوا:
ليس المراد من اليأس الذي نسبته الآيةُ المباركة للرسل هو اليأس من تحقُّق وعد الله تعالى لهم بالنصر بل المراد منه اليأس من إيمان قومهم، فقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} معناه حتى إذا يأس الرسل من تصديق قومهم لهم، ويأسوا من إيمانهم بما جاؤوا به من عند الله تعالى.
وأمَّا قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} فمعناه أنَّ أقوام المرسلين ظنَّوا بأنَّ ما يُخبر به المرسلون من أنَّ الله قد وعدهم بالنصر وإيقاع العذاب على الجاحدين مكذوب أي أنَّهم ظنوا بأنَّ الرسل قد كذبوا عليهم أو أنَّ مَن أخبر المرسلين وألقى في روعهم ذلك قد كذب عليهم.
وهذا المعنى هو ما أفاده الإمام الرضا (ع) بحسب أورده الشيخ الصدوق في العيون أنَّ المأمون سأله عن مسائل حول عصمة الأنبياء فكان منها قول المأمون لأبي الحسن الرضا (ع) فأخبرني عن قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا} قال الرضا ( عليه السلام ): "يقول الله تعالى حتى إذا استيأس الرسلُ من قومهم، وظنَّ قومُهم أنَّ الرسل قد كُذبوا ، جاء الرسلَ نصرُنا".(2)
فالذي يئس منه الرسل هو قومُهم أي يئسوا من تصديقهم لهم وإيمانهم بما جاؤوا به، والذي ظنَّ بأنَّ الرسل قد كُذبوا هم قوم الرسل، فالواو في قوله: {وَظَنُّوا} يرجع على قوم الرسل - المرسّل إليهم - فهم مَن ظنوا بأنَّ رسلهم قد كُذبوا.
ومُحصَّل المراد من الآية المباركة أنَّ المرسلين يبدأون بتبليغ رسالتهم ويأملون أنْ تستجيبَ لهم أقوامُهم ويظلُّون على ذلك ردحاً من الزمن يستفرغون وسعهم في إقناع أقوامِهم بما أُرسلوا به يتوسَّلون في ذلك بمختلف البراهين والحُجج كلُّ ذلك برجاء استجابتهم، وكذلك فإنَّهم حين تبليغهم لأقوامِهم والاحتجاج عليهم يُحذِّرونهم من التمادي في الغي ويؤكِّدون لهم أنَّ الله قد وعد أنبياءه بالنصر، وتوعَّد الجاحدين بالعذاب والعاقبة السيئة، فيكون من تأثير الوعد بالنصر للرسل والوعيد بالعذاب للجاحدين شعور الجاحدين بإمكانية وقوع ما يُخبر به المرسلون من الوعد بالنصر لهم والعذاب لمناوئيهم إلا أنَّه بامتداد الوقت وعدم وقوع ما أخبر به المرسلون من الوعد بالنصر يحصل الظن القوي أو القطع لدى الجاحدين أنَّ الرسل واهمون فيما أخبروا به من انتصار الله لهم والانتقام من مناوئيهم، وكذلك يحصل بامتداد الوقت اليأس لدى المرسلين من استجابة قومهم لهم وحينذاك وبعد يئس الرسل من استجابة قومهم وبعد اطمئنان قومهم بكذب ما وعد به المرسلون يأتي النصر الموعود فينجو من بأس الله تعالى مَن آمن بالمرسَلين، ويقع العذاب الموعود على القوم المجرمين.
هذا هو مفاد الآية المباركة وهو المناسب لما تصدَّى القرآن لبيانه من أحوال الأنبياء وأقوامهم، فنبيُّ الله نوح (ع) بعد أعذر بالوعظ والإرشاد لقومه وحذَّرهم مغبَّة إعراضهم وجحودهم وظلَّ طويلاً يدعوهم دون جدوى حينذاك يئس من استجابتِهم لذلك دعا عليهم بالهلاك كما قال تعالى: { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا / إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}(3) وكذلك فإنَّ قومَه بعد أنْ مضى على وعده لهم بالعذاب والنكال وقتٌ طويل دون أن يجدوا تحقُّقاً لوعده ظنُّوا أنَّ ما يعدهم به كان كذباً، وهذا ما أخبر به القرآن عنهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ / أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ / فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}(4)
ونموذجٌ آخر وهو نبيُّ الله شعيب (ع) عمَّر في قومه طويلاً يعظهم ويُرشدهم ويُحذِّرهم سوء العاقبة دون جدوى فلمَّا يئس من استجابتهم قال: {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ}(5) ولطول مقامه بينهم يُخوِّفهم عذاب الله دون أن يجدوا لما يُخوِّفهم منه تحقُّقاً ظنَّوا بكذب ما يتوعدُهم به كما قال تعالى على لسانهم: {وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ / فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}(6) فحينذاك وبعد يئس نبيِّهم من استجابتهم وبعد ظنِّهم أنَّهم كُذبوا حقَّ عليهم العذاب قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}(7) وقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}(8).
وبما ذكرناه ينتفي الإشكال المذكور فالذي يئس منه الرسل إنَّما هو استجابة الجاحدين من أقوامهم، وهذا اليأس تقتضيه الملاحظة المتأنية لواقع حالهم، وقد صدَّق القرآنُ المجيد يأسهم في الكثير من الآيات مثل قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}(9) وقوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ... وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}(10)
وأمَّا قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} فالمقصود منه الذين أُرسل إليهم المرسَلون، فهم الذين ظنوا أنَّ الرسل قد كذبوا عليهم، ويؤيِّد ذلك ما صرَّحت به بعض الآيات من قولهم: {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ}.
عودُ الضمير على المرسَل إليهم:
وما قد يُقال كيف يعود الضمير في قوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} إلى أقوام الرسل -المرسل إليهم- والحال أنَّه لم يسبق ذكرهم في الآية، فالضمير بناءً على ذلك يعود على غير مذكور.
فالجواب هو أنَّه يكفي للبناء على عود الضمير على المرسَل إليهم ذكرُ الرسل في صدر الآية فإنَّه يدلُّ على المرسَل إليهم، فلا يُعتبر في عود الضمير على شيء أنْ يكون مذكوراً لفظاً بل يكفي لصحَّة عوده عليه دلالة الكلام أو السياق عليه كما في قوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}(11) فالضمير في توارت يرجع على الشمس رغم أنَّها غير مذكورة في الكلام، والمصحِّح للبناء على عودها على الشمس هو ملاحظة سياق الكلام، وكذلك مناسبته للفظ التواري بالحجاب، وهكذا هو الشأن في الآية فإنَّ ذكر الرُسل يدلُّ على المرسَل إليهم فإنَّه من العناوين المتضايفة، هذا مضافاً إلى ملاحظة امتناع ظنِّ الرسلِ أنَّهم كُذبوا، فإنَّ الظنَّ بأنَّ الله قد كذب -والعياذ بالله- في وعده لا يصدر عن مؤمن بالله فضلاً الأنبياء وكذلك يمتنع على الأنبياء الظنُّ أو حتى الشك أنَّ ما يُلقى في روعهم وما يوحى إليهم ليس من عند الله تعالى، فامتناع ذلك يدلَّ أنَّ الذين وقع منهم الظن بأنهم كُذبوا هم المرسل إليهم لأنَّه إذا امتنع إرادة الرسل تعيَّن المراد في المرسَل إليهم إذ لا يحتمل إرادة مرجعٍ آخر للضمير، على أنَّ المرسَل إليهم قد أُشير إليهم في الآية التي سبقت هذه الآية وهي قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ }(12)
المعنى بناءً على قراءة التشديد:
هذا بناءً على قراءة التخفيف: {قَدْ كُذِبُوا} وهي قراءة أهل الكوفة وهي -كما رُوي- قراءة الإمام علي، وزين العابدين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد (ع) وقراءة زيد بن علي، وابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، والأعمش، وأمَّا بناء على قراءة التشديد: {قَدْ كُذِّبُوا} المنسوبة للباقين وعائشة، والحسن البصري، وعطا، والزهري، وقتادة(13) فيصحُّ عود الضمير على الرسل فيكون مفاد الآية حتى إذا يئس الرسل من استجابة أقوامهم وظنَّ الرسلُ أنَّهم قد كُذِّبوا من قبل أقوامهم جاءهم النصر، وبناء على ذلك يكون المراد من الظنِّ هو اليقين أي أنَّ الرسل استيقنوا أنَّهم قد كُذِّبوا من قبل أقوامهم، واستعمال الظنِّ وإرادة العلم أو اليقين رائج كما في قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ}(14) أي استيقنوا، وقوله تعالى:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ / الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(15) وقوله تعالى:{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً}(16)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة يوسف:110.
2- عيون أخبار الرضا (ع) - الصدوق- ج1/ 179.
3- سورة نوح: 27.
4- سورة هود:25، 27.
5- سورة هود:93.
6- سورة الشعراء: 186، 187.
7- سورة الشعراء: 189
8- سورة هود: 94.
9- سورة هود:36.
10- يس: 7، 10.
11- سورة ص: 32.
12- يوسف: 109
13- تفسير مجمع البيان- الطبرسي- ج5/ 465.
14- سورة التوبة:118
15- سورة البقرة: 45، 46.
16- سورة البقرة: 249.
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (كدح) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
محمود حيدر
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
الشيخ مرتضى الباشا
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
الشيخ محمد مصباح يزدي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
خلاصة تاريخ اليهود (2)
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
معنى (كدح) في القرآن الكريم
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
زكي السالم: (مع شلليّة الدعوات؛ لا تبطنَّ چبدك، ولا تفقعنَّ مرارتك!)
أحمد آل سعيد: الأطفال ليسوا آلات في سبيل المثاليّة
خلاصة تاريخ اليهود (1)
طبيب يقدّم في الخويلديّة ورشة حول أسس التّصميم الرّقميّ