
الشهيد مرتضى مطهري
فقد روي أن النبي كان يصحب علياً في كل حرب يخوضها ضد المشركين، ولكنه عندما عزم على التوجه إلى حرب تبوك، لم يأخذ علياً معه، وذلك لأنها لم تكن حرباً فعلية، بل كانت حرباً استعراضية، لإظهار قوة المسلمين وشوكتهم أمام شمال جزيرة العرب في سورية.
فذهبوا وعادوا، وكان النبي قد أبقى علياً بمكانه في المدينة، فأظهر علي إنه كان يفضل لو ذهب معه، فقال الرسول: "يا علي ألا تحب أن تكون خليفتي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى" باختلاف واحد، هو "ألا أنه لا نبي بعدي". وهذا يعني إن هارون كان نبياً، إذ أنه كان بمقدوره أن يكون نبياً بعد موسى. ولكنك لا تكون نبياً لأنه لا نبي بعدي، فكل ما بيني وبينك من روابط هي ما كانت بين موسى وهارون. فعليّ وزير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
عندما أعلن النبي دعوته كان الأمر صعباً، ثم بعد ذلك، في المدينة، عندما أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، خف الأمر، وأزيح الثقل عن كاهل الرسول. كانت مهمته قد انتهت، ﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (الشرح/3)﴾، أي ذلك الحمل الذي أخرج الأصوات من عظام ظهرك بمثلها يضع امرؤ ثقلاً على سقف خشبي، فيصدر الصوت من الخشب حتى يكاد ينكسر. يريد الله أن يقول إن الحمل كان من الثقل بحيث إن عظام ظهرك أخذت تفرقع، فأزحنا عنك هذا الثقل، وكنت موفقًا.
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (الشرح/4)﴾، لقد أنزلنا حملك، ولكننا رفعنا اسمك، وجعلنا صوتك يعلو، وقرنّا اسمك باسم الله، فعندما ينادي المنادي: أشهد ألاّ إله إلاّ الله، يتلوه مباشرة: أشهد أن محمد رسول الله، إلى هنا تتناول الآيات النعم الإلهية، ثم يبينها بصورة فلسفية. إلى هذا الحد كانت الآيات شخصية: كنت كذا، و فعلنا كذا. ثم يضع الموضوع في صيغة فلسفية، ليصل منها إلى النتيجة.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (الشرح/5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (الشرح/6)﴾ المعنى الكلي هو أن الصعوبة تأتي ومعها السهولة، والسهولة في الصعوبه. وتشير الآيتان إلى مهمة النبي: كم كانت صعبة في البداية، وكم كان حملك ثقيلًا حتى فرقعت عظام ظهرك. وكان العدو يسعى لأن يمحو اسمك محواً، فصار العكس. هذا هو قانون الله.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ مع الصعوبة سهولة، وإن الصعوبة تليها السهولة، نهاية ظلام الليل صباح أبيض، ولكن ماذا يعبر القرآن عن ذلك بقوله إن الصعوبة مع السهولة؟ المقصود هو القول أن ليس هناك تعاقب، أي ليس هناك أمر صعب، ثم يعقبه أمر سهل بالتناوب، ليس الأمر كذلك، بل إن السهولة وليدة الصعوبة، والصعوبة أم السهولة، أي إنكم إذا أردتم بلوغ اليسر والرفاه، والسعادة، فلا يتاح لكم ذلك ما لم تعبروا طريق الشدائد. إنه لتعبير عجيب، وهي كلية عجيبة. فعلى الرغم من أن البداية تخص شخص الرسول، والنعم التي أنعم الله بها عليه، شرح صدره، ورفع عنه الثقل، ورفع اسمه، ولكن على أي قانون؟ أعمال الله كلها تجري على وفق القوانين والسنن، فما هذه القوانين والسنن؟
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (الشرح/5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (الشرح/6)﴾ هذا هو القانون. ونقرأ في سورة السجدة:﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (السجدة/24)﴾، أي إننا عيّنا منهم قادة يرشدون الناس بأمرنا. لماذا؟ لأنهم صبروا في الشدائد، وآمنوا بآياتنا. الإيمان مع العمل في الشدائد.
وقد ورد هذا أيضاً في آيات أخرى مثل سورة آل عمران: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (آل عمران/146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (آل عمران/147) فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران/148)﴾، أي: كم في طول التاريخ من أناس إلهيين، يعبدون الله، وكم من أنبياء قاتل أولئك معهم في سبيل الله ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ أي كم تحملوا من الشدائد، ولكنهم لم يستول عليهم الوهن ﴿وَمَا ضَعُفُواْ﴾ وظلت معنوياتهم عالية،﴿وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ لم يظهروا الجزع والخضوع والذل، ولم تتحطم نفوسهم، ولم يتزلزل إيمانهم، بل لجأوا إلى الله، واستعانوا به، ولم يقولوا شيئاً سوى الطلب من الله أن يملأهم صبراً واستقامة في سبيله، وأن ينصرهم على الكفار. ولذلك، ولما تحملوا من المحن ﴿فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ في إحدى خطب أمير المؤمنين في نهج البلاغة، يلوم أصحابه على أن الناس أخذت تظهر عليهم حالة من الكسل والتهاون.
ولكننا نحن أصحاب عليّ، ونحن أعوانه، أو ليس علي صهر الرسول؟ أو ليس وصيه؟ أو ليس خليفته بالحق؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلابد أن ننتصر على جيش معاوية. نعم، ما دمنا من أتباع علي، وجب أن ننتصر على جيش معاوية، ولكن عليّاً كان يقول: ليس الأمر كذلك إذ ليس من سنة الله أننا بايعنا عليّاً حتى وجب أن ننتصر، وذلك لأننا، على الرغم من أننا بايعنا محمداً وآمنا به، فإن الله لم يمن علينا بالنصر بهذه السهولة: " لقد كنا مع رسول الله نقتل آباءنا وأعمامنا إذا وقف في طريقنا أحد منهم. ولكن تحملنا المشاق والشدائد، ولكم صادف أن قابلنا العدو وجهاً لوجه في ميادين الحرب، فتصارعنا كبعيرين، فنغلب حيناً، ونُغلب حيناً. فلم يكن الأمر كما تظنون، بأننا لكوننا نسير في ركاب الرسول، ما أن نجرد سيوفنا حتى يفني الأعداء جميعاً. ولكننا خرجنا من بوتقة الإمتحان بنية صادقة".
ويضيف الإمام عليّ قائلاً: لقد ظهرت نيتنا الصادقة في أعمالنا، لا في الإدلاء بالشهادتين. وعندئذٍ أيدنا الله بنصر من عنده. وهذا هو معنى الآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (الشرح/5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (الشرح/6)﴾ فيا أيها الرسول لقد عانيت كثيراً، وها هي ثمرات العناء.
ثم نأتي إلى أمر عجيب آخر ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ(الشرح/7)﴾، هل يعني هذا أنك بعد أن فرغت من ذلك، ورفع الثقل عن كاهلك، اذهب ونم مستريحًا؟ لئن فعلت ذلك، فأنت قد جلبت على نفسك سوء الحظ، إذ أن سوء الحظ يأتي من التعود على النوم الاستراحة والرفاهية، وما من أمر أشد عداءً للإنسان من الرفاهية. ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ إذا فرغت من كل ذلك، فالقِ بنفسك في التعب والنصب، ابحث عن الشدائد، ولا تعوِّد نفسك على الراحة.
لنفرض أن رجل الله لم يجد أمامه من المشاكل الاجتماعية ما يشتغل بها، فهل زالت عنه شدائد العبادة؟ عندما لم يكن للنبي من المشاكل الاجتماعية ما يشغله، فهل زالت يقضي الليل في النوم حتى الصباح؟ كلا. ما كان ليستريح. ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ إلقِ بنفسك في المتاعب الحقة، ولا تركن إلى الراحة فهي عدو الإنسان،﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (الشرح/7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (الشرح/8)﴾.
معنى (همس) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
حتّى ظهور الشمس (1)
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
لماذا دماغنا مجبول على رؤية نهايات مشوّقة للأحداث
عدنان الحاجي
مناجاة المريدين (6): ومنك أقصى مقاصدهم حصَّلوا
الشيخ محمد مصباح يزدي
عاقبة البهتان
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
العبادة على سبعين وجهًا
الشيخ مرتضى الباشا
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (3)
محمود حيدر
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
الإمامُ السّجّاد سراج محاريب الأسحار
حسين حسن آل جامع
إلى سادن السّماء
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
معنى (همس) في القرآن الكريم
{جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}
حتّى ظهور الشمس (1)
لماذا دماغنا مجبول على رؤية نهايات مشوّقة للأحداث
مناجاة المريدين (6): ومنك أقصى مقاصدهم حصَّلوا
أحمد آل سعيد: لا أحد يربّي الأطفال سوى الوالدين
(الجوهر المجهول) ديوان إلكترونيّ جديد للشّاعر والرّادود عبد الشّهيد الثّور
الإمام زين العابدين (ع) وتعظيم القرآن
الإمامُ السّجّاد سراج محاريب الأسحار
معنى (أسو) في القرآن الكريم