
جاءت صفات المجد للّه تعالى في القرآن صافية زاهية، ونزيهة وطاهرة، هي صفات الجلال والجمال في تقديس وإكبار: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). «1».
فهو اللّه، لا إله غيره، ولا معبود سواه. لا شريك له، تعالى اللّه عمّا يشركون. عالم الغيب والشهادة، لا يعزب عن علمه شيء، عالم السرّ وأخفى، هو الرحمن الرحيم. قل لمن ما في السماوات والأرض، قل للّه كتب على نفسه الرحمة. هو اللّه الّذي لا إله إلّا هو الملك، المسيطر على الخلق كلّه، ملك الناس والمالك يوم الدين.
القدّوس، المترفّع عن الدنائس والخسائس، العليّ العظيم. السلام، الّذي ضمن على الخلق سلامتهم في عافية وهناء. المؤمن، الّذي كفل الأمن والطمأنينة على الناس في الحياة. المهيمن، المسيطر على مقدّرات الخلق، ربّ العالمين. العزيز، الّذي لا يغالب في تدبيره وتنفيذ إرادته. إنّما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
الجبّار، النافذ إرادته، الغالب على أمره فيما يشاء. المتكبر، الّذي تلبّس بالعزّ والكبرياء. (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً). «2». (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ). «3». (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ). «4».
والآيات من هذا النمط كثير في القرآن الكريم، جاءت لتمجّد الربّ تعالى تمجيدًا لائقًا بمقام عظمته عزّ شأنه، وتنزيهًا متناسبًا لموضع كبريائه، سبحانه وتعالى عمّا يصفون. أمّا الذي جاء في الكتب المحرّفة - وكانت متداولة حينذاك - مثل العهدين، فإلى الإهانة أقرب منها إلى الاحترام بشأنه تعالى، ولنشر إلى نماذج منها:
خديعة آدم وحوّاء، خشية أن يخلدا في الحياة! إله التوراة يكذب في نصيحته لآدم وحوّاء، وإبليس يصادقهما القول! إله يجهل مكانهما، ويخشى أن يعرفا الخير من الشرّ ويصبحا عاقلين! هكذا جاء في التوراة المحرّفة، في الإصحاح الثالث من سفر التكوين:
«كانت الحيّة أحيل جميع حيوانات البرّية، فقالت للمرأة: أحقًّا قال اللّه: لا تأكلا من كلّ ثمر الجنّة؟ فقالت المرأة للحيّة: وأمّا ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال اللّه: لا تأكلا منه ولا تمسّاه لئلّا تموتا، فقالت الحيّة للمرأة: لن تموتا، بل اللّه عالم أنّه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كاللّه عارفين للخير والشرّ فأخذت المرأة من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل، فانفتحت أعينهما، وعلما أنّهما عريانان، فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر، وسمعا صوت الربّ الإله ماشيًا في الجنّة عند هبوب ريح النهار. فاختبأ آدم وامرأته من وجه الربّ الإله في وسط شجر الجنّة. فنادى الربّ الإله آدم وقال له: أين أنت ؟ فقال آدم: سمعت صوتك في الجنّة فخشيت لأنّي عريان فاختبأت، فقال الربّ: من أعلمك أنّك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ «5».
وقال الربّ الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفًا للخير والشرّ، والآن لعلّه يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الربّ الإله من جنّة عدن، فطرد الإنسان، وأقام شرقي جنّة عدن الكروبيم، ولهيب سيف منقلب، لحراسة طريق شجر الحياة «6».
إله التوراة يخاف من بني آدم وحدتهم وائتلافهم، ولذلك يفرّق بينهم ويبلبل ألسنتهم، هكذا جاء في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين: وكانت الأرض كلّها لسانًا واحدًا، ولغة واحدة. وحدث في ارتحالهم (ارتحال بني الإنسان) شرقًا أنهم وجدوا بقعة من أرض شنعار «7» وسكنوا هناك.
وقال بعضهم لبعض: هلمّ نصنع لبنًا ونشوّيه شيًّا. فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان الحمر «8» مكان الطين. وقالوا: هلّم نبني لأنفسنا مدينة وبرجًا رأسه في السماء، ونصنع لأنفسنا اسمًا لئلّا نتبدّد على وجه كلّ الأرض. فنزل الربّ لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما، وقال الربّ: هو ذا شعب واحد، ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمنع عليهم كلّ ما ينوون أن يعملوه، هلمّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتّى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبدّدهم الربّ هناك على وجه كلّ الأرض، فكفّوا عن بنيان المدينة.
هكذا يعارض إله التوراة حضارة الإنسان، ويعرقل في سبيل مدنيّته، وبذلك يكون قد كافح واقع الحياة وعارض متطلّباتها التي جعلها هو في ذات الإنسان. إن هذا إلّا تضادّ عارم يتحاشاه ربّ العالمين وإله الخلق أجمعين. هذا، بينما القرآن يجعل من الإنسان أكرم خليقته ويفضّله على كثير ممّن خلق، ويعلّمه الأسماء كلّها ليجعله خليفته في الأرض، ويوكّله عمارة الأرض (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) «9». وعلّمه ما لم يعلم «10» (وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) «11».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحشر: 22 - 24.
(2) النساء: 139.
(3) فاطر: 10.
(4) المنافقون: 8.
(5) العدد: 1 - 12.
(6) العدد: 22 - 24.
(7) أرض شنعار: هو ما بين النهرين (دجلة والفرات) بالعراق، وهي أرض بابل قرب مدينة الحلّة اليوم بالعراق.
(8) الحمر: ضرب من القار كانوا يطلون به الحيطان كالملاط..
(9) هود: 61.
(10) إشارة إلى قوله تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق: 5).
(11) البقرة: 151.
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (كدح) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
محمود حيدر
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
الشيخ مرتضى الباشا
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
الشيخ محمد مصباح يزدي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
خلاصة تاريخ اليهود (2)
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
معنى (كدح) في القرآن الكريم
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
زكي السالم: (مع شلليّة الدعوات؛ لا تبطنَّ چبدك، ولا تفقعنَّ مرارتك!)
أحمد آل سعيد: الأطفال ليسوا آلات في سبيل المثاليّة
خلاصة تاريخ اليهود (1)
طبيب يقدّم في الخويلديّة ورشة حول أسس التّصميم الرّقميّ