
حول أهمية استشراف المستقبل.. لماذا يُعد العجز عنه خطيئة كبرى؟
{مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغيظ}[1]
استشراف المستقبل يعني تحديد ما سيحدث في الزمن الآتي. ليس المطلوب القطع واليقين، بل إنّ مجرد الاحتمال يكون أمرًا منجزًا عند العقلاء فيما لو تعلق الأمر بالقضايا الكبرى والمصيرية، مثل تدخّل قوى خارجية، وغزو واجتياح ومجاعة، وقتل القادة، وانهيار اقتصادي، وتحوّل كلّي في طريقة التعليم على ضوء الذكاء الاصطناعي وغيرها الكثير.
هناك عددٌ مهمّ من القضايا التي يحتمل العقلاء وقوعها في المستقبل غير البعيد، ممّا يطرح أسئلة مهمّة حول كيفية التعاطي معها والاستعداد لها. لا يبدو أن جعبة المفكّرين سينقصها الكثير من التوقعات والاستشرافات. هذا أحد أعمال المفكر الحرّ. لكن البناء على بعضها هو الذي يبدو مشكلة هنا، حيث قد يتطلب الكثير من العمل والقيام بإجراءات مكلفة جدًّا. إذًا، ليست المشكلة الرئيسية في وجود القدرة اللازمة لاستشراف المستقبل، بل في اتخاذ القرارات المرتبطة به.
تميل النفوس إلى استبعاد الأمور الباهظة، ويميل الكسالى أيضًا إلى رفض الحديث عنها أو طرحها ومناقشتها بجدية لأنّها قد تتطلّب منهم الكثير من العمل والجد والاجتهاد. هكذا يصبح العمل على المستقبل مختصًّا بعددٍ قليل جدًّا من القادة.
تبدأ المشكلة هنا في بعض القناعات أو الاعتقادات التي تستبعد بعض الاحتمالات الحساسة، حيث تميل إلى حسم المستقبل وفق رؤية يتبين في الغالب أنّها لم تكن عقلانية بالشكل المطلوب. وحين تقع الكارثة لا ينفع الندم. بعض الأمور تكون قاصمة ولا يمكن النهوض منها بعد ذلك أبدًا. لذلك المجتمع البشري والقادة هم بأمسّ الحاجة إلى هذا العقل الذي يعمل وفق هذا النوع من التفكير.
قد يستبعد قائد بعض الاحتمالات لأنّها مكلفة له على جميع الصعد الإدارية والمالية والعملية.. يتطلب الأمر ثقة عالية بالله تعالى أنّ له خزائن السماوات والأرض وأنّه لا يقطع مدده عن المؤمنين. وفي مثل هذه الاحتمالات لا ينبغي أن نتذرّع بمشكلة الإسراف أو التبذير.
يوجد نوعان من الاحتمالات: واحدٌ يرتبط بالاحتمال نفسه، والآخر بالمُحتَمل. قد يكون الاحتمال ضعيفًا لكنّه يصبح حساسًا جدًّا ومهمًّا حين يكون المُحتَمل فيه عظيم الأهمية مثل حياة مجتمع ومصيره. لو كان احتمال قتل عددٍ كبير من الناس بواسطة أجهزة معينة ضئيلًا لكن لو حدث سيشكّل كارثة كبرى، يصبح هذا الاحتمال معتدًّا به ويجب اتّخاذ جميع الإجراءات اللازمة بشأنه؛ وبحسب تعبير الفقهاء مع قوة المُحتمَل يصبح الاحتمال منجزًا، بمعنى لزوم ترتيب التكليف والعمل عليه.
جانبٌ مهمٌّ من الاحتمال يرجع الى قوة العقل والذكاء. يمكننا أن نطلق على هذا النوع من الذكاء ذكاء الاحتمالات المستقبلية. الذكي هنا هو الذي يقدر على توقُّع ما لا يتوقعه غيره، أو حتى ما لا يُتوقع.
يجب معالجة العوامل التي تخمد هذا النوع من الذكاء، مثلما يجب العمل على معالجة سوء الظن بالله تعالى. غالبًا ما يستبعد المؤمن إمكانية حصول المدد والنصرة لأنّه يعيش ذنبًا يتملّكه. سوء الظن بالله واستبعاد أن ينصرنا بطريقة غير متوقعة ينشأ من نوعٍ خاص من الذنوب.
إذًا، لا ينبغي التقليل من خطورة سوء الظن على مستوى تفعيل هذا الذكاء. فالذكاء ينشأ من تركيز عقولنا وتوجيهها نحو قضيةٍ ما والاهتمام بهذه القضية، الأمر الذي يتناقض مع الاستبعاد الذي أشرنا إليه. فأنت تستبعد حصول شيء صعب في بعض الأحيان لأنّك لا ترى نفسك مستعدًّا للتعامل معه، مثل وقوع حريق في البيت، حيث تعتقد بأنّك لن تملك الاستطاعة اللازمة لتجهيزه بمعدات خاصة لهذا الاحتمال.
كثيرة هي الحوادث التي تقع في منازلنا بسبب عدم وجود المعدّات والتجهيزات والهندسة اللازمة لمثل هذه الحوادث. وغالبًا ما يكون ذلك ناشئًا من ظنّنا بأنّ الله الذي منحنا المال اللازم لبناء البيت لن يمنحنا المال اللازم لمثل هذه التجهيزات والإجراءات.
وقد يُبتلى قادة المنظمات الكبرى والمؤسسات بمثل هذا الظن السيئ أيضًا على صعيد توفُّر الأفراد والطاقات البشرية أو الإمكانات المالية، فلا يشجعون الأقسام والمديريات المختلفة لهذه المنظمة على فتح الآفاق الجديدة والاستعداد للمستقبل بكل احتمالاته الإيجابية والسلبية. ولأنّ هذا الأمر يُعد عند الله من الكبائر فقد يعاقبهم الله على ذلك بأشد ما يكون، أو يجري عليهم هذه السنّة الاجتماعية الرهيبة، وهي التي وردت في الحديث: "أَنَا عِنْدَ ظَنِ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ يَجِدُنِي عِنْدَهُ".[2]
ومثلما أن الله يمتحن الأفراد، فإنّه يمتحن الشعوب والأمم والجماعات بحسب ما يسود فيها من اعتقادات وظنون؛ بل إنّه قد يأخذ الجميع بذنوب البعض كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصيبَنَ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}.[3]
وهكذا نكتشف أن ما يقف وراء العديد من الكوارث والفجائع والنكبات التي تنزل بالمجتمعات البشرية هو هذا النوع من الذهنية التي تتشكل من معتقدات باطلة. فلذلك كان الإصلاح يبدأ دومًا من إصلاح العقيدة والفكر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]. سورة الحج، الآية 15.
[2]. الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا(ع)، ص361.
[3]. سورة الأنفال، الآية 25.
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (كدح) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
محمود حيدر
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
الشيخ مرتضى الباشا
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
الشيخ محمد مصباح يزدي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
خلاصة تاريخ اليهود (2)
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
معنى (كدح) في القرآن الكريم
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
زكي السالم: (مع شلليّة الدعوات؛ لا تبطنَّ چبدك، ولا تفقعنَّ مرارتك!)
أحمد آل سعيد: الأطفال ليسوا آلات في سبيل المثاليّة
خلاصة تاريخ اليهود (1)
طبيب يقدّم في الخويلديّة ورشة حول أسس التّصميم الرّقميّ