علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (5)

مكارم الأخلاق كهادي إلى الغيرية الرحمانية

 

في الخطاب القرآني جاء الإسلام رحمة للعالمين: {وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين}[الأنبياء- 107]؛ ما يعني أنّه خطاب لكلّ الناس على اختلاف أجناسهم وألسنتهم وألوانهم وانتماءاتهم، يدعوهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة، لكن مع وجود هذه الدعوة ترك لهم الحرية في الاختيار، بحيث يؤمن من يؤمن به عن إرادة حرة، ويجحد به من يجحد عن تلك الإرادة أيضًا، من دون أن يكره عليه؛ ما يعني أنّ الاعتقاد بدينٍ من الأديان لا يمكن أن يتم على أساس الإجبار والإكراه ولا تحت السلطة والعنف، لقوله تعالى: {لا إكراه في الدين}[البقرة- 256]، وقوله –سبحانه-: {ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}[يونس- 99]. وبهذا سوف يؤول الأمر إلى صنفين من الناس، صنف يتّخذ من الاسلام دينًا له، وصنف يتّخذ له أديانًا أخرى، أو يختار ألّا يكون له أي دين.

 

ومن الركائز الأساسية التي يتأسس عليها التعريف بالدين الإسلامي والدعوة إليه، الحوار مع المختلفين؛ ذلك أنّ الدعوة ليست عرضًا جافًا يقتضي القبول أو الرفض في صمت، وإنّما هي (دعوة حوارية تفاعلية)، تقوم على الاستفسار والاستدلال، والقبول والرد، وما شابه ليكون الأمر تدافعًا في الرأي ومقارعةً بالحجة، حتى تستبين الحقيقة لمن يطلبها ويبتغيها، فلا يكون تضليل ولا خداع ولا تلبيس، ولينتهي الأمر إلى قبول عن قناعة أو رفض عن قناعة كذلك. وعندما يأخذ كلّ الموقع الذي ارتضاه عن إرادة وحرية، فإنّ الحوار لا ينقطع بين الجانبين، وإنّما يستأنف على مستوى آخر هو مستوى التعاون فيما هو مشتركٌ من الأمور المرتبطة بخدمة مصلحة الإنسان وتحقيق منفعته، بصرف النظر عن دينه ومعتقده؛ وهو حوار بقواعد تقوم على الاعتراف بالآخر واحترامه، وعلى صيانة كرامته الإنسانية من أن ينالها التحقير والتبخيس، أو أي ضرب من ضروب الانتهاك؛ إن معنويًّا أم ماديًّا.

 

وغنيّ عن البيان في هذا السياق أنّ ”التعارف؛ باعتباره مسلكًا كونيًّا، يتأسس في محدداته المعرفية الأولى على عنوان (وحدة الانسانية). وهذا المبدأ يشتق ويستمد قيمته من المبدأ الأعلى؛ أي (وحدانية الله سبحانه) بوصفه المبدأ والغاية في الوقت نفسه؛ فإنّ تكون موحّدًا معناه أنّك تعيش وضوح الرؤية في تصوّرك عن الكون والحياة، وما دامت الوحدانية صفة الله – }ّ - وهو – سبحانه – الخالق، فلا بد أنْ تمتد صفة الوحدة الإلهية إلى كلّ البشر؛ لأنّهم من خلقه”. وتأسيسًا على هذا، فالإسلام من حيث هو دينٌ كونيٌّ، ومن حيث هو أسبق من غيره من المذاهب والنحل في الدعوة الى العيش معًا، هو من عنده المقدرة التركيبية وإعادة المعنى والتدبير المعرفي لضوابط تدبير الاختلاف؛ لأنّ العناصر الوضعية والاصطفاءات الحصرية معوّقات لتشكل التعارف في عالم اليوم ومدعاة للتصادم والتنابذ.

 

ومعنى هذا أنّ الأخذ بمسلك التعارف؛ كما رسمه الإسلام يقتضي ضوابط محددةً وشروطًا مخصوصة، بوجودها يتحقّق المقصد العام منه، وبغيابها يختل الفعل بأسره؛ ذلك أنّ التعارف المبني على التواصل والتعاون الذي تنشده الرؤية الإسلامية من العلاقة مع الآخر، يتعين أنْ يكون منضبطًا بمقتضيات قيم العدالة والمساواة والأخوة الإنسانية والحرية والوفاء بالعهود والالتزامات، وبالتالي، فإنّ أي إخلال بهذه القيم هو حكم ببطلان هذه العلاقة وفقدانها الشرعية الإلهية والمصداقية الإنسانية؛ لأنّ القيم في النظرية الإسلامية لا تتجزأ ولا ينفي بعضها بعضًا. وإنّما هي بمنزلة منظومة تتفاعل عناصرها مجتمعه، ويؤثر كلّ عنصر ضمنها في بقية العناصر، مثلما يتأثر هو بها.

 

تتعذر الحياة الطيّبة في الاجتماع الإنساني في مناخٍ يسوده التوجّس والخوف من الآخر والناظرة إليه بعين الدونية والاحتقار، فليس يقدر على التعارف من ظن نفسه الأفضل، أو ليس للحياة أنموذج أسلم ولا أكمل من طريقته هو؛ فيمتنع السلوك الإيجابي المتجاوب، وتتحول دواعي الاجتماع الكوني الإنساني إلى أسباب الافتراق والتباعد. وتبعًا لهذا، فإنّ من الضوابط الأساسية التي تعمل على توليد التعارف السليم المتوازن وتوطيده، إزالة الخوف من الآخر، ومحاولة معرفة ذاتيته في سياق الوحدوية العالمية، فضلًا عن تقاسم شرطيات الالتقاء والتذكير بها باستمرار على قاعدة السلم والسلام، والاعتقاد بأنّ مخزون البشرية قيميًّا ليس محصورًا في نطاق أرضي واحد، وإنّما هو مبثوثٌ موزعٌ في جنبات الوجود العرضية جميعها. الأمر الذي من شأنه أن يخلق التحوّل الإنساني إلى الكونية، بديلًا عن الموضعية والوضعية، فتتكون لدى الإنسان نظرية وجود مرتبطة بالله – سبحانه -، بوصفه خالقًا ومصدرًا للكتاب والحكمة، فتتشكل عقلية الإنسان وأخلاقياته في ضوء هذا الارتباط الإلهي. ومن ثمّة يترفع هذا الإنسان عن نزعته الغريزية البهيمية الدونية العابرة، ويصير مرتبطًا بمنظومة إلهي من القيم، هي نقيض التعالي في الأرض والإفساد فيها، مهما كانت المبررات النفعية، ونزعتها غير الأخلاقية، وتمركزها حول الذات الفردية.

 

في السياق المعرفي لجدلية التلازم بين مقاصد الشريعة ومكارم الأخلاق النبوية يبيِّن النظَّار مسلَّمتين رئيستين: مقتضى المسلَّمة الأولى للأخلاق الإسلامية أنّه لا إنسان بغير أخلاق؛ فلا يخفى أنّ الأخلاق الحسنة صفات مخصوصة الأصل فيها معانٍ شريفة أو قل قيم عليا؛ كما لا يخفى أنّه ليس في كائنات هذا العالم مثل الإنسان تطلعًا إلى التحقق بهذه المعاني والقيم، بحيث يكون له من وصف الإنسانية على قدر ما يتحقق به منها، فإذا زادت هذه المعاني والقيم زاد هذا الوصف وإذا نقصت نقص؛ تترتب على هذه المسلمة حقائق ثلاث، ”أنّ هوية الإنسان أساسًا ذات طبيعةٍ أخلاقيةٍ؛ والثانية، أنّ هوية الإنسان ليست رتبةً واحدة، وإنّما رُتب متعددة، فقد يكون الواحد من الجماعة إنسانًا أكثر أو أقل من غيره فيها؛ والثالثة، أنّ هوية الإنسان ليست ثابتة، وإنّما متغيرة، فيجوز أن يكون الفرد الواحد في طورٍ من أطوار حياته إنسانًا أكثر أو أقل منه في طورٍ سواه.

 

أما مقتضى المسلمة الثانية فتقوم على أن لا أخلاق بغير دين؛ يكفي أنْ نشير إلى أنّ الأخلاق تَنبني على الدين بطريقين بطريقين اثنين؛ أحدهما الطريق المباشر، ويقوم في تلقي خبر هذه الأخلاق من الوحي الإلهي والتأسي فيها الرسول الذي جاء بهذا الوحي؛ والثاني الطريق غير المباشر، ويقوم في اقتباس الأخلاق من الدين مع العمل على إخراجها عن وصفها الديني الأصلي أو مع التستِر المبيَّت على أصلها الديني كما يقوم في اللجوء إلى القياس على الأخلاق الدينية فيما يُستنبط من أخلاق وضعية.

 

على هاتين المسلمتين تترَّتب النتيجة المباشرة التالي: أنّه لا إنسان بغير دين، ممّا يجوز معه أنْ نعرّف الإنسان بأنّه الكائن الحي المتدين، فالهوية الإنسانية تكون في حقيقتها هوية دينية؛ فإذا قيل بأنّنا قد نجد بين الناس مَن لا يتدين أصلًا، فإنّنا نقول بأنّ هذا قول يحتاج إلى توضيح؛ ذلك أنّ المراد به هو أنّه لا يقر بأنّه يتدين بدين سماوي إلهي، لكن هذا لا يرفع، على ما ذكرنا، جواز أخذه من هذا الدين بطريق غير مباشر، محرّفًا لما أخذه أو متسترًا عليه أو متبعًا فيه طريق القياس كما إذا استبدل مكان الإيمان بالإله الإيمانَ بمطلق من عنده يقيمه بَدَلَه، عقلًا كان أو إنسانًا أو طبيعة أو مادة أو تاريخًا، إذًا أصل الدين هو بالإيمان المطلق؛ ولا ينفع كذلك أنْ يقال بأنّ بعضهم لا يقول إلا بالنسبي وحده؛ ذلك لأنّ هذا البعض يكون قد جعل مطلقَه هو النسبية، فيقع في ما أنكر. وما من شك في أنّ هاتين المسلَّمتين تفتحان على أفق يفضي إلى الاستنارة بمكارم الأخلاق في نظم التعارف بين الأمم والجماعات والأفراد على نصاب الرحمانية.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد