
قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء : 29، 30]
«الغل»: ما يقيد به، فيجعل الأعضاء وسطه، وجمعه أغلال، ومعنى قوله: {مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} أي مقيدة به.
«الحسرة»: الغم على ما فاته والندم عليه، وعلى ذلك يكون محسوراً، عطف تفسير لقوله «ملوماً»، ولكن الحسرة في اللغة كشف الملبس عما عليه، وعلى هذا يكون بمعنى العريان.
أمّا الآية فهي تتضمن تمثيلاً لمنع الشحيح وإعطاء المسرف، والأمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير، فشبّه منع الشحيح بمن تكون يده مغلولة إلى عنقه لا يقدر على الإعطاء والبذل، فيكون تشبيهًا لغاية المبالغة في النهي عن الشح والإمساك، كما شبّه إعطاء المسرف بجميع ما عنده بمن بسط يده حتى لا يستقر فيها شيء، وهذا كناية عن الإسراف، فيبقى الثالث وهو المفهوم من الآية وإن لم يكن منطوقاً، وهو الاقتصاد في البذل والعطاء، فقد تضمّنته آية أخرى في سورة الفرقان، وهي: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان : 67].
وقد ورد في سبب نزول الآية ما يوضح مفادها.
روى الطبري أنّ امرأة بعثت ابنها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالت: قل له: إنّ أمّي تستكسيك درعاً، فإن قال: حتى يأتينا شيء فقل له: إنّها تستكسيك قميصك. فأتاه، فقال ما قالت له، فنزع قميصه فدفعه إليه، فنزلت الآية.
ويقال إنّه (عليه السلام) بقي في البيت إذ لم يجد شيئاً يلبسه ولم يمكنه الخروج إلى الصلاة فلامه الكفّار، وقالوا: إنّ محمداً اشتغل بالنوم واللهو عن الصلاة {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أي يوسع مرة ويضيق مرة، بحسب المصلحة مع سعة خزائنه (1).
روى الكليني عن عبد الملك بن عمرو الأحول، قال: تلا أبو عبد الله هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}. قال: فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الإقتار الذي ذكره الله في كتاب ، ثمّ قبض قبضة أُخرى، فأرخى كفه كلها، ثمّ قال: هذا الإسراف، ثمّ قبض قبضة أخرى فأرخى بعضها، وقال: هذا القوام (2).
هذا ما يرجع إلى تفسير الآية، وهذا الدستور الإلهي تمخض عن سنّة إلهية في عالم الكون، فقد جرت سنته سبحانه على وجود التقارن بين أجزاء العالم وأنّ كلّ شيء يبذل ما يزيد على حاجته إلى من ينتفع به، فالشمس ترسل 450 ألف مليون طن من جرمها بصورة أشعة حرارية إلى أطراف المنظومة الشمسية وتنال الأرض منها سهماً محدوداً فتتبدل حرارة تلك الأشعة إلى مواد غذائية كامنة في النبات والحيوان وغيرهما، حتى أنّ الأشجار والأزهار ما كان لها أن تظهر إلى الوجود لولا تلك الأشعة.
إنّ النحل يمتصّ رحيق الأزهار فيستفيد منه بقدر حاجته ويبدل الباقي عسلاً، كل ذلك يدل على أنّ التعاون بل بذل ما زاد عن الحاجة، سنة إلهية وعليها قامت الحياة الإنسانية.
ولكن الإسلام حدّد الإنفاق ونبذ الإفراط والتفريط، فمنع عن الشح، كما منع عن الإسراف في البذل. وكأنّ هذه السنّة تجلت في غير واحد من شؤون حياة الإنسان، ينقل سبحانه عن لقمان الحكيم أنّه نصح ابنه بقوله: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان : 19].
بل يتجلّى الاقتصاد في مجال العاطفة الإنسانية، فمن جانب يصرح النبي (صلى الله عليه وآله) بأنّ عنوان صحيفة المؤمن حبّ على بن أبى طالب (عليه السلام) (3). ومن جانب آخر يقول الإمام علي (عليه السلام): «هلك فيَّ اثنان: محب غال، ومبغض قال» (4).
فالإمعان في مجموع ما ورد في الآيات والروايات يدل بوضوح على أنّ الاقتصاد في الحياة هو الأصل الأساس في الإسلام، ولعله بذلك سميت الأمة الإسلامية بالأمة الوسط، قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143].
وهناك كلمة قيمة للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حول الاعتدال نأتي بنصها: دخل الإمام على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده، فلمّا رأى سعة داره، قال: «ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج؟ بلى إن شئت بلغت بها الآخرة، تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرَّحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة».
فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد. قال: «وما له؟» قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا. قال: «عليّ به». فلمّا جاء قال: «يا عديّ نفسك: لقد استهام بك الخبيث! أما رحمت أهلك وولدك! أترى الله أحلّ لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها؟! أنت أهون على الله من ذلك». قال: يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك! قال: «ويحك، إنّي لست كأنت، إنّ الله تعالى فرض على أئمّة العدل (الحق) أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره!» (5).
__________________
(1) مجمع البيان : 3 / 412.
(2) البرهان في تفسير القرآن : 3 / 173.
(3) حلية الأولياء : 1 / 86.
(4) بحار الأنوار : 34 / 307.
(5) نهج البلاغة ، الخطبة 209 .
معنى (خفى) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
مناجاة المريدين (1): يرجون سُبُل الوصول إليك
الشيخ محمد مصباح يزدي
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (1)
الشيخ مرتضى الباشا
الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (4)
محمود حيدر
كيف تُرفع الحجب؟
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
أحمد آل سعيد: الأطفال ليسوا آلات في سبيل المثاليّة
خلاصة تاريخ اليهود (1)
طبيب يقدّم في الخويلديّة ورشة حول أسس التّصميم الرّقميّ
معنى (خفى) في القرآن الكريم
التجارة حسب الرؤية القرآنية
مناجاة المريدين (1): يرجون سُبُل الوصول إليك
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (1)
مواد جديدة تعزّز أداء رقائق ذاكرة الحاسوب
الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (4)
الأسرة والحاجة المعنويّة