
الشيخ محمد هادي معرفة ..
ممّا أُخذ على القرآن : عدم نَسجه على منوالٍ واحد ، فهناك ظاهرة الالتفات وتنوّع الخطاب ، والانتقال والرجوع ، والقطع والوصل ... إلى أمثال ذلك من التنقّل الكلامي ، زَعَموا أنّه قد يُشوِّش على القارئ فهم المعاني !
لكنّه جهلٌ بأساليب البديع من كلام العرب ، وما ذاك الالتفات وهذا التنقّل في الخطاب إلاّ نظريةً في الكلام ، تزيد في نشاط السامعين وتسترعي انتباههم لفهم مناحي الكلام أكثر وأنشط .
والشيء الذي أَغَفلوه أنّهم حَسِبوا من صياغة القرآن أنّها صياغة كتاب ، في حين أنّها صياغة خطاب . إنّ لصياغة الكتاب مُمَيِّزات تختلف عن مُمَيِّزات صياغة الخطاب ، فقضيّة الجري على منوالٍ واحد هي خاصّة بصياغة الكتاب . أمّا التنوّع والتنقّل والالتفات ، فهي من خاصّة صياغة الخطاب ، سواء أكان نَظماً أم نَثراً ، فلا يتقيّد الناطق بالاطّراد في سياقٍ واحد ، بل له الانتقال والتحوّل أثناء الكلام حسبما ساقته دلائل المقام .
فهذا عزيز مصر ـ ينقل كلامه القرآن حينما واجه امرأته ويوسف على حالة استنكرها ـ يقول : ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ) ، فيُخاطب يوسف أَوّلاً ، ثُمَّ يَلتفت إلى امرأته يُوبّخها ، وكِلا الخطابَين مُنساق في نسقٍ واحد ولكن في واجهتَين ، وقد نَقله القرآن على شاكلته الأُولى . والقرآن كلّه من هذا القبيل ؛ لأنّه كلام اللّه واجه به عباده في صياغة خطاب ولم ينزل في صياغة كتاب ؛ ومِن ثَمَّ كانت فيه هذه الكثرة من الالتفات والتنقّل في الكلام ، الأمر الذي زادَ في طرواته وزانَ في طُلاوته .
يقول تعالى : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) .
يبتدئ الكلام بالخطاب مع الرسول ويتحوّل مِن فوره إلى مواجهة المؤمنين .
ثُمَّ الضمائر المتتابعة الثلاثة : ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ) يعود الأَوّلان منها إلى النبيّ والثالث إلى اللّه ! وهذا من مداورة الكلام مِن وِجهةٍ إلى وِجهة ، ويُعدُّ من أَلطف صُنع البديع .
ولا يخفى أنّ مِثل هذا لا يدخل في متشابه الكلام بعد معروفيّة مراجع الضمائر لدى المخاطبِينَ النابِهينَ ، وهو من حُسن الوجازة وظريف البيان ( في ظاهر إبهام وواقع إحكام ) سهلاً ممتنعاً يكسو الكلام حلاوةً مُمتعة .
فبدلاً من أن يكون الكلام مشوَّهاً مضطرب المفاد ـ حسبما رَاقه المُتعرّب المتكلّف ـ أصبح حلواً سائغاً يستلذّه المستمع النبيه .
ومِثله في القرآن كثير ويكون من لطيف صُنع البديع .
وهنا ـ في الآية الّتي تَمثّل بها الـمُتكلّف من سورة يونس ـ نقول : إنّه يزيد مبالغةً في الاستنكار : قال تعالى : ( وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ... ) ، يعني : أنّ أُولئك الكَفَرة الجُحُود إذا كشف اللّه عنهم ضرَّهم ، فبدلاً من أنْ يشكروا ، تَراهم يكفرون نعمةَ اللّه ، ويحاولون تغطيتها بأنواع الملتبسات ... فيُمثّل لذلك ركوبهم البحر ومواجهة الطوفان : ( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ ... ) .
فبدأ يواجههم في الخطاب ، لكنّه في الأثناء يُغيّر وِجهة الكلام إلى التكلّم عن غائبينَ ؛ ليُحوّل وِجهة السامعين من كونهم مخاطبينَ إلى كونهم ناظرينَ مستمعين ، وذلك للتمكّن في نفوسهم من استقباح ما يشهدونه من فضيع الحال وشنيع المَآل ، فيلمسوا قَباحة العمل وهم يرونه مِن كَثَب ، فيكونوا هم الحاكمينَ على فعالهم بالتقبيح .
قال الزمخشري : ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغَيبَة ؟
قال : المبالغة ؛ كأنّه يذكر لغيرهم حالهم ، ليُعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح ، وذلك لأنّ القبيح من الغير يبدو أقبح ممّا لو ذُكر عن النفس .
وهكذا التنقّل من شأن إلى شأن كان من خاصّيّة الكلام إذا كان خطاباً لا كتاباً ، يتنقّل فيه المتكلّم من حالٍ إلى حال ، وربّما من موضوعٍ إلى موضوع آخر ، ثُمّ يعود إلى موضوعه الأَوّل حَسبَما يقتضيه الحال والمقام ، والتنقّل ظاهرة قرآنيّة شاملة ولا سيّما في السُّور الطوال .
مثلاً نراه يتعرّض لمسألة الطلاق والعدد في آيات ( البقرة : 228 ـ 237 ) ، وينتقل إلى الترغيب في المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى ( الآية : 238 ) ، وصلاة الخوف ( الآية : 239 ) ، ويَذكر المُتوفّى عنها زوجها ( الآية : 240 ) ، ثُمَّ يعود إلى ذكر المطلّقات ( الآية : 241 ) ، الأمر الذي لم يكن متناسباً لو كان الكلام كتاباً ، ويجوز في الخطاب ، وهذا أيضاً في القرآن كثير .
إذن ، فلا موضع لسفاسف الأباعد من عدم الالتئام في نَظْم القرآن .
قال هاشم العربي ـ بشأن آية الكرسي بعد ما وَصَفها بفخامة اللفظ والمحتوى بحيث لا يوجد لها نظير في جميع القرآن : إنّها بين جارتَيها ( الآية السابقة عليها واللاحقة لها ) كقطعة ديباج رُقّع بها ثوب كِرباس ، قال : وأكثر القرآن على هذه الصفة من عدم القِران بين آياته ، والانتقال توّاً من الأَوْج إلى الحضيض ، ومِن ذِكر الجنّة والمغفرة إلى ذِكر المحيض .
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (كدح) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
محمود حيدر
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
الشيخ مرتضى الباشا
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
الشيخ محمد مصباح يزدي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
خلاصة تاريخ اليهود (2)
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
معنى (كدح) في القرآن الكريم
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
زكي السالم: (مع شلليّة الدعوات؛ لا تبطنَّ چبدك، ولا تفقعنَّ مرارتك!)
أحمد آل سعيد: الأطفال ليسوا آلات في سبيل المثاليّة
خلاصة تاريخ اليهود (1)
طبيب يقدّم في الخويلديّة ورشة حول أسس التّصميم الرّقميّ