علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (2)

في فهم ما يُقصد من تتميم مكارم الأخلاق

 

نرانا لا نجد من فصل بين ختم النبوّة وتتميم مكارم الأخلاق في محضر البحث عن معنى ومقاصد قول النبي (ص) في الحديثين الشريفين: ”لَا نَبِيَّ بَعْدِي”، و”إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ‎”. الحديثان متصلان ومتلازمان ويؤلفان وحدةً قوليةً لا تباين في وحدتها. فالنبي (ص) من حيث هو خاتم النبوة هو فاتح الولاية، لجهة أنّ الختم والفتح مرتبتان إلهيتان تنتظمان حقيقة البعثة المحمدّية، في مستهلها وختامها. وعلى قاعدة الاتصال والتلازم بين ختم التشريع وفتح الولاية تتحول الولاية إلى (نبوّة عامة) تستأنف حقائق (النبوة الخاصة)، وتنقلها إلى حقيقة هادية للعالمين. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء-107].

 

ها هنا تستوى لدينا الخطوط المؤسسة لواحدية النبوة والولاية. فالنبيّ الخاتم هو الولي الفاتح. وهو جامع الحقائق الإلهية والحقائق الكمالية الإنسانية في آن. وهذا هو ما يصطلح عليه أهل الحكمة بـ (الحقيقة المحمدّية). فلهذه الحقيقة المحمدية – كما يبيِّن الشيخ ابن عربي - الفردية الأولى؛ ومن هذه الفردية تفرعت الفرديات في جميع المراتب المعنوية والروحانية والإلهية والكونية وغيرها. ويقول: ”إنّما كانت حكمته (ص) فردية؛ لأنهّ أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، ولهذا بُدِئ به الأمر وخُتم، فكان نبيًا وآدم بين الماء والطين، ثم كان بنشأته العنصرية خاتم النبيين”. ثم كانت له الفردية الجامعة بين البدء والفاتح والختام الواضح ونبوّة روحانيته بالكمال الراجح”.

 

وبهذا المعنى لا تعود مكارم الأخلاق مجرّد رتبةٍ أو طورٍ في البعثة النبوية، وإنّما هي وعاء لا متناهٍ يشمل النبوّة والولاية معًا. فالختم هنا داخلٌ في التميم دخول الكلّ في الكل. ثم ليغدوا معًا شأنًا واحدًا في حقيقة إلهية جامعة. فالأخلاق متضمنة الشريعة، والشريعة متضمنة مكارم الأخلاق، حتى ليمسي هذا التضمين المتبادل إعرابًا بيّنًا عن وحدة مقاصد الغيب في البعثة المحمدية الشاملة. إذن، فنسبة مكارم الأخلاق إلى الشريعة المختومة، هي كنسبة الحقيقة إلى الشريعة. كلاهما يستبطن الآخر ويدل عليه. فالمكارم هي العطاءات التي تقدمها الشريعة لتبلغ تمامها، ثم لتعود تلك العطاءات لتغذيها باللّطف والتسديد والتأييد وجمال التدبير. وبهذه المنزلة التي لمكارم الأخلاق يعرج الآخذ بالشرع من مقام الإقرار بالتوحيد إلى مقام التصديق به. وبمثل هذا العروج يتحقق المصدِّق بمكرمة الصدق التي تشكل الفتح الأعظم باتجاه التوحيد الأكمل. فلو أفلح المتخلِّق بالصدق بلغ القرب، ولو بلغ القرب كانت له الولاية، وحظي قدر سعته من علم الكتاب، ثم ليندرج بحق في منازل الحقيقة المحمدّية.

 

ولكي نتبين مقام الصدق في تحصيل التوحيد الأتم، تزودنا الآيات والأخبار بما لا حصر لفضائله. فهو أشرف الصفات التي على الموحِّد الأخذ بها لتصديق توحيده. والمخاطبة الإلهية صريحة في هذا المقام:

 

-{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ}[الأحزاب-23].

-{اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}[التوبة-120].

-{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}[الحجرات-15].

-{وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا}[البقرة-177].

 

وقال الرسول (ص): ”تقبَّلوا إليّ بست أتقبّل لكم بالجنة: إذا حدّث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا أئتمن فلا يخن، وغُضُّوا أبصاركم، وكفّْوا أيديكم، واحفظوا فروجكم”. وقال: ”إنّ الرجل ليصدق حتى يكتبه الله صديقًا”، وقال: ”لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده، فإن ذلك شيء اعتاده، ولو تركه لاستوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته”، وقال (ص) لبعض أصحابه: ”انظروا إلى ما بلغ به علي (ع) عند رسول الله، فالزمه.. فإنّ عليًا (ع) إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول الله بصدق الحديث وأداء الأمانة”.

 

والصدق – كما ينظر إليه العرفاء – على ثلاثة أركان بعضها من بعض: صدق النية، وصدق اللسان، وصدق العمل. وهذا التقسيم الثلاثي لمعنى الصدق مبعثه الإيمان الأعلى المسدد بالتخلّق. فأمّا صدق النية فهو أنْ يبديها القلب خوف عقاب، أو رجاء ثواب، ولا يريد الصادق بصدقة غير الله. فإنّها بذلك حاصل يقين لا شِيَةَ فيه، بأنّ الحق يرى المضمرات ويعاين الضمائر المستترة. وصدق اللسان، فهو أنْ يطلقه إذا قام له شاهد من الحقّ، وكان التخلّف عن اللفظ وهنًا في صدقه. وهذا أيضًا عين التخلّق؛ لأنّ بوح الصادق ممسوكٌ بالتقوى، فإنّه لا يتلفظ بعبارةٍ ما لم يكن على درايةٍ بموافقتها الشيء المصدّق له.

 

وأمّا صدق العمل فيقوم على الإقبال الطوعي على ما عزم عليه بترك روح النفس، حتى يصير إلى ما عزم عليه من العمل، فيتمُّه بالحرص عليه، والانكماش، لا يقطعه عنه قاطع ولا يمنعه عنه مانع. وأصل صدق العمل عائد إلى فعلية التخلّق، حيث تصير الأخلاق الفاضلة بالنسبة لفاعلها ملكةً راسخةً في نفسه الفاضلة. ومتى صارت كذلك حثّت صاحبها على المجاهدة لبلوغ مقاصدها حتى لتزيده مشقة المجاهدة حرصًا على المضاعفة.

 

ولمّا أن استوت مكارم الأخلاق على ما مرّ من أركان الصدق، فلا مناص لها لكي يترسخ استواؤها في نفس المتخلّق من اقتران العمل بالعلم. فإنّ أصل الصدق العمل به فضلًا عن التعرّف إليه. أي تعرّف الصادق على مكرمة الصدق بما هي مظهر من مظاهر التوحيد. فإنّ أصل الصدق المعرفة. لأنّك لا تصدِّق إلا من تعلم أنّه يراك ويسمعك، وهو قادر على عقوبتك، وعلمك أنّه لا ينجيك منه إلّا الصدق له. فوقع حينئذٍ الصدق ضرورة. فالمعرفة أصل الصدق، والصدق أصل لسائر أعمال البر، وعلى قدر قوة الصدق يزداد العبد في أعمال البر. ومن قلة المعرفة بقدر الصدق ومنافعه ومواريثه وضعف اليقين. فإذا ضَعُفَ اليقين وَهْن الصدق، وقلت الرغبة، فلم يحتمل مؤن الصدق لما غُيب عنه من عذوبته، وقد قال تعالى: {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ}[محمد-21] فضمن لهم الخير بالصدق.

 

ومن أجل هذا، صح القول: إنّ الصدق متى كان ثمرة التخلّق المتصل بالإيمان الأعلى، صار لصاحبه مقامًا، وحصيد هذا المقام الإخلاص، والإخلاص نظير القرب، ونظير القرب مقام العبدانية، وهو مقام الأنبياء والأوصياء والأولياء المقربين. وعلى هذا المقام استوى الصادق الأمين محمد بن عبد الله  فكان له من الرب شهادة العبد {إنّك لعلى خلقٍ عظيم}، فقد نال النبي الأكرم لعظمة خلقه أعلى مراتب الدنو من الحضرة المقدسة.{وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى *ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى *فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى *مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}.[النجم-7-8-9-10-11].

 

لقد درج أغلب المفسرين على عدّ الآية الكريمة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}[النحل - 125]، تذكر طرقًا ثلاثة للدعوة على وجه العموم هي: (الحكمة) و(الموعظة الحسنة) و(المجادلة الحسنى)؛ وهذا التقسيم يوافق نظرتنا إلى العقل، ذلك أنّ العقل عندنا على مراتب ثلاث: أعلاها (العقل المؤيّد) الذي يختص به صاحب الحكمة، وأوسطها (العقل المسدد)، ويختصّ به صاحب الموعظة الحسنة، وأدناها (العقل المجرد)، ويتميز به صاحب المجادلة الحسنة، إلا أنّ الدعوة إلى إحياء أخلاق الإسلام، وهي دعوةٌ خاصة، لا تكون إلّا بالعمل، ويكون العمل في مرتبة الحكمة وصفًا قائمًا بصاحبها، أي حالًا دائمًا له، ويكون في مرتبة الموعظة الحسنى فعلًا حاصلًا لصاحبها من غير دوام؛ أما المجادلة الحسنى، فلا عمل فيها، إذ هي تجريد محض، فلا تكون طريقًا مستقلًا في الدعوة إلى رجوع الإسلام، وإنّما هي وسيلةٌ يستعان بها في بيان الحكمة والموعظة الحسنى أنفسهما متى وقع الاعتراض عليهما.

 

 وقد أشار فخر الدين الرازي في التفسير الكبير إلى إمكان قصر الدعوة على الطريقتين الأولين من غير أنْ تكون نظرتنا إلى (المجادلة الحسنى) هي عين نظرته إليها، إذ حملها على المعنى الخاص المنقول عن اليونان، وهو (الإلزام والإفحام)، ونحن نحملها على معنى (العقل المجرَّد) في عمومه؛ وسنرى في موضعه كيف أن كثيرًا من الدعاة اليوم انتهوا إلى حصر الدعوة في المجادلة الحسنى باتباعهم طريق التجريد فيها، تأثرًا بمسلك خصومهم، فارتكبوا بذلك خطأين: أحدهما أنّهم جعلوا ما ليس طريقًا في الدعوة إلى عودة الإسلام طريقًا فيها؛ والثاني،أنّهم استغنوا به عن غيره ممّا هو أولى أنْ يكون طريقًا في هذه الدعوة.

 

وما يستظهره الأدب العرفاني من مقاماتٍ ومدارج لأرباب السير والسلوك يفضي إلى التموضع في مقام الأخلاق. فهو المقام الجامع للمقامات العرفانية على الحملة كما تفصح المرجعيات المعجمية للأدب العرفاني. نقرأ -على سبيل المثال- في الرسالة القشيرية بيانات عن تسعة وأربعين مدرجًا ومقامًا تشكل بمجموعها المراتب التي ينبغي أنْ يقطعها العارف للوصول إلى مقام مكارم الأخلاق وهي: التوبة – المجاهدة – الخلوة والعزلة – التقوى – الورع – الزهد – الصمت- الخوف – الرجاء – الحزن – الجوع وترك الشهوة- الخشوع والتواضع – مخالفة النفس – ترك الحسد – ترك الغيبة – القناعة – التوكل – الشكر- اليقين – الصبر – المراقبة – الرضا – العبودية – الإرادة- الاستقامة – الإخلاص – الصدق – الحياة – الحرية – الذكر – الفتوة- الفراسة – الخلق – الجود والسخاء – الغيرة – الولاية – الدعاء – الفقر – التصوف – الأدب - أحكام السفر – الصحبة – التوحيد – الخروج من الدنيا – المعرفة بالله – المحبة – الشوق – حفظ القلب – السماع.

 

لعل أوّل وصف وحياني للنبي هو ما جاء في قوله تعالى: {وإنّك لعلى خلق عظيم} [القلم-4]. وعن العارف بالله أبي علي الدقاق أنّ الله تعالى خصَّ نبيه بما خصّه به، ثم لم يثنِّ عليه بشيء من خصاله بمثل ما أثنى عليه بخلقه. وقال الواسطي: وَصَفَه تعالى بالخلق العظيم؛ لأنّه جاد بالكونين، واكتفى بالله تعالى، وقال أيضًا: ”الخلق العظيم ألّا يخاصِم ولا يخاصَم من شدة معرفته بالله”. وفي شرحه لقوله تعالى: {وثيابك فطهِّر} [المدثر-4] يقول الحسن البصري بأنها تعني: ”وخلقك فحسِّن”. ولما كانت صفة الإنسان الأكمل مخصوصة في إيمان المسلمين بالنبي محمد بن عبد الله، فذلك يعني أنّ نبوّته الخاتمة هي علمٌ متفرِّد بذاته تنزَّل عليه وحيًا ليهتدي به الناس إلى الحق في دنياهم وآخرتهم.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد