
المسألة:
ما معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}(1) وعلامَ يرجع الضمير في قوله تعالى:{ فَمُلَاقِيهِ}؟
الجواب:
المراد ظاهراً من الكدح – بمقتضى الاستعمال اللُّغوي- هو السعيُ المُجهِد المتَّسم بالعناء والمكابدة بقطع النظر عن طبيعة الشيء الذي كان له السعي، فقد يكون خيراً وقد يكون شرَّاً، ومفاد الآية – ظاهراً – أنَّ الإنسان في هذه الدنيا ساعٍ بعمله لتحصيل غاياته ويظلُّ كذلك يجهد في سعيه إلى أنْ يموت فيُقدِم على ربِّه فيكون متعلَّقُ سعيه مؤثراً في طبيعة الجزاء الذي سينالُه.
فكلمة "إلى" بيان للغاية التي ينتهي ويتوقف عندها سعيُ الإنسان، ولذلك فالكدح بقرينة تعديته بحرف "إلى" متضمِّن لمعنى السير، فمفاد:{ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ} هو أنَّك تسيرُ إلى ربِّك، فهو المآل الذي تنتهي وتصير إليه شئت ذلك أو أبيت كما يقال أنفاسُك خطواتُك إلى ربِّك.
فقوله تعالى: {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ} ليس بمعنى أنَّك تعمل وتكدح لربِّك ومِن أجل ربِّك، فكلمة "إلى" ليست بمعنى اللام وإنَّما هي في المقام لبيان الغاية والمنتهى ، فهي بمعنى " حتى" الغائية يعني أنَّك تكدح وتظلُّ تكدحُ وتكدحُ في هذه الدنيا إلى أنْ تصلَ في المنتهى إلى حذفِك وحينذاك تُقدم على ربِّك، فمفادُ قوله: {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا} يُشبه القول: إنَّك ساعٍ إلى ربِّك سعياً أو إنَّك تسير بعملك إلى ربِّك سيراً، ويحتمل -كما أفاد الطبرسي في مجمع البيان(2)- أنَّ "إلى" متعلِّقةٌ بمحذوف، والتقدير إنَّك كادحٌ لنفسك صائرٌ إلى ربِّك كما في قوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ}(3) فإنَّ كلمة "إلى" متعلقة بمحذوف والتقدير انقطعْ من الخلق راجعاً إليه أي إلى ربِّك أو تبتل وانقطع من الخلق راغباً إلى ربِّك كذلك هو الشأن في الآية فإنَّ كلمة إلى متضمِّنة لمحذوفٍ تقديره إنَّك كادحٌ وساعٍ لنفسك صائرٌ في المنتهى إلى ربِّك . فمساق الآية هو مساق قوله تعالى:{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}(4) وقوله تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}(5) وقوله تعالى:{ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ}(6) وقوله تعالى: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(7)
مرجع الضمير في قوله:{فَمُلَاقِيهِ}:
وأما الضمير في قوله تعالى:{فَمُلَاقِيهِ} فيُحتمل رجوعه إلى الله جلَّ وعلا ، والتقدير فملاقٍ ربَّك، ويحتمل رجوعه للكدح، والتقدير فملاقٍ كدحَك وعملَك الذي كنتَ قد عملته في الدنيا، ومعنى ملاقاة الكدح والسعي والعمل هو ملاقاة أثرِه وجزائه. فيكون مفاد الآية: إنك أيُّها الإنسان ساعٍ بعملك تحملُه إلى ربِّك فملاقٍ جزاءه. وعليه يكونُ مفاد الآية قريباً من معنى قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ}(8) وقوله تعالى:{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}(9) أي وجدوا جزاء ما عملوه في الدنيا.
وعلى الاحتمال الأول يكون مفاد الآية إنك ساعٍ بعملك تحملُه إلى ربِّك فملاقٍ ربَّك ليحكم فيك بحكمه ويقضي لك أو عليك بقضائه.
ما يرجح عود الضمير على الله تعالى:
ولعلَّ ما يرجِّح الاحتمال الأول أنَّ كلمة الرب أقرب للضمير من الكدح، وهو من موجبات الترجيح لغةً وعرفاً، وعليه يكون مفاد الآية قريباً من مفاد قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(10) وقد أُضيف اللِّقاء لله تعالى في الكثير من الآيات كقوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا}(11) وقوله تعالى:{مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ}(12) وقوله تعالى:{أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ}(13) وقوله تعالى:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ}(14) وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}(15) وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا}(16)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-سورة الانشقاق:6.
2-تفسير مجمع البيان- الطبرسي-ج10/ 304.
3-سورة المزمل: 8.
4- سورة النجم: 42.
5- سورة العلق: 8.
6-سورة الأنبياء: 93.
7- سورة البقرة: 156.
8- سورة آل عمران:30.
9-سورة الكهف: 49.
10- سورة البقرة: 46.
11- سورة الكهف: 110،
12- سورة العنكبوت: 5.
13- سورة فصلت:54.
14- سورة الأنعام: 31.
15- سورة الأنعام: 154.
16- سورة يونس:7.
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
الشيخ مرتضى الباشا
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
الشيخ محمد مصباح يزدي
معنى (خفى) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (4)
محمود حيدر
كيف تُرفع الحجب؟
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
زكي السالم: (مع شلليّة الدعوات؛ لا تبطنَّ چبدك، ولا تفقعنَّ مرارتك!)
أحمد آل سعيد: الأطفال ليسوا آلات في سبيل المثاليّة
خلاصة تاريخ اليهود (1)
طبيب يقدّم في الخويلديّة ورشة حول أسس التّصميم الرّقميّ
معنى (خفى) في القرآن الكريم
التجارة حسب الرؤية القرآنية
مناجاة المريدين (1): يرجون سُبُل الوصول إليك
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (1)