
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ..
قال تعالى : {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس : 37 - 40] .
تعرّضت الآيات أعلاه إلى موضوعين من أهمّ المواضيع المتعلّقة بحياة البشر. على أنّهما آيتان من آيات الله وهما مسألة ظلمة الليل ومسألة الشمس ونورها.
قلنا سابقاً أنّ النور من ألطف وأكثر موجودات العالم المادّي بركة. وليس لإضاءتنا ومعيشتنا فقط فكلّ حركة ونشاط مرتبط بنور الشمس ، نزول قطرات المطر ، نمو النباتات ، تفتّح البراعم ، نضوج الثمار والفواكه ، خرير الجداول ، تلوين مائدة الطعام بأنواع المواد الغذائية ، وحتّى حركة عجلة المصانع العظيمة ، وتوليد الطاقة الكهربائية ، وأنواع المنتجات الصناعية ، كلّها تعود في أصلها إلى هذا المنبع العظيم للطاقة ، أي نور الشمس.
وخلاصة القول فإنّ جميع الطاقات على سطح الكرة الأرضية ـ عدا الطاقة الناجمة عن تفجير الذرّة ـ جميعها تستمدّ وجودها من نور الشمس ، ولولا الأخير لخيّم الصمت والموت على كلّ مكان.
ظلمة الليل مع أنّها تذكر بالموت والفناء ، فإنّها تعدّ من الأمور الحياتية الهامّة في حياة البشر ، لأنّها تعدل نور الشمس وتؤثّر عميقاً في راحة جسم وروح الإنسان ، والمنع من المخاطر الناجمة عن تسلّط أشعّة الشمس بشكل متواصل ومستمر ، بحيث لو لم يكن الليل عقيب النهار لارتفعت درجة الحرارة على سطح الأرض إلى درجة أنّ الأشياء جميعاً تأخذ بالاشتعال والاحتراق ، كذلك في القمر حيث الليالي والأيّام طويلة (كلّ ليلة هناك تعادل حوالي خمسة عشر يوماً بلياليها على الأرض ، كذلك الحال بالنسبة للنهار) فحرارة النهاره قاتلة ، وبرودة مجمّدة.
وعليه فإنّ كلا من «النور والظلام» آية إلهية عظيمة.
ناهيك عن أنّ النظام المتناهي الدقّة الذي يحكمهما ، أدّى إلى تنظيم تأريخ حياة البشر ، ذلك التأريخ الذي لولا وجوده لتفتتت الروابط الاجتماعية ، وأصبحت الحياة بالنسبة إلى البشر أشبه بالمستحيل ، وبذا فإنّ كلا من «النور والظلام» آيتان إلهيتان من هذه الناحية أيضاً.
والملفت للنظر هنا هو قول القرآن الكريم : {وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} . وهذا التعبير يدلّل على أنّ النهار خلق قبل الليل ، والليل بعده تماماً ، فلو أنّ أحداً نظر من خارج الكرة الأرضية فسيرى موجودين أسود وأبيض يدوران بشكل مرتّب حول الأرض ، وفي مثل هذه الحركة الدائرية لا يمكن تصوّر القبل والبعد فيها. ولكن إذا أخذنا بنظر الإعتبار أنّ الأرض التي نعيش عليها كانت يوماً ما جزءاً من الشمس ، وفي ذلك الوقت لم يكن سوى النهار ، ولا وجود لليل ، ثمّ بعد أن انفصلت الكرة الأرضية عن الشمس وابتعدت تكون لها ظلّ مخروطي الشكل من الجهة المخالفة للشمس فكأنّ الليل ، الليل الذي أصبحت حركته بعد النهار ، نعم ، لو توجّهنا لكلّ ذلك لاتّضحت دقّة ولطافة هذا التعبير.
وكما قلنا سابقاً فليس الشمس والقمر وحدهما يسبحان في هذا الفضاء المترامي ، بل إنّ الليل والنهار أيضاً يسبحان حول الكرة الأرضية ، وكلّ منهما له مدار ومسير دائري.
وقد ورد في روايات متعدّدة عن أهل البيت (عليهم السلام) التصريح بأنّ الله سبحانه وتعالى خلق النهار قبل الليل. فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال جواباً على سؤال في حديث طويل : «نعم خلق النهار قبل الليل ، والشمس والقمر والأرض قبل السماء» (1).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال : «فالنهار خلق قبل الليل وفي قوله تعالى : {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} أي قد سبقه النهار» (2).
وورد نفس المعنى عن الإمام الباقر (عليه السلام) حين قال : «إنّ الله عزّ وجلّ خلق الشمس قبل القمر ، وخلق النور قبل الظلمة» (3).
______________________
1.تفسير نور الثقلين ، ج4 ، ص387 ، ح55.
2.المصدر السابق ، ح53.
3.المصدر السابق ، ح54.
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (كدح) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
محمود حيدر
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
الشيخ مرتضى الباشا
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
الشيخ محمد مصباح يزدي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
خلاصة تاريخ اليهود (2)
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
معنى (كدح) في القرآن الكريم
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
زكي السالم: (مع شلليّة الدعوات؛ لا تبطنَّ چبدك، ولا تفقعنَّ مرارتك!)
أحمد آل سعيد: الأطفال ليسوا آلات في سبيل المثاليّة
خلاصة تاريخ اليهود (1)
طبيب يقدّم في الخويلديّة ورشة حول أسس التّصميم الرّقميّ